في هذا السبيل ماذا يمكن أو ما يجب أن يعمل .
أولاً : بالنسبة للمسلمين :
لاحظ برتراند رسل أن " الغرب أهدى للشرق مساوئه : القلق وعدم الرضا ، والروح العسكرية ، والإيمان الغالي بالآلة . ولكن الدولة القوية في الغرب تحاول دائماً صرف الشرق عن أفضل ما لدى الغرب : روح البحث الحر ، والتعرف على الظروف التي تؤدي إلى الرفاهية التامة ، والتحرر من الخرافة " .
كمثل على صحَّة ملاحظة رسل فإن الإرهاب الذي يعتبر الآن مرادفاً للفظ مسلم في لغة الغرب – كان ضمن هدايا الغرب للعالم الإسلامي . ألا نتذكر أنَّ أول مبنى عام تم تفجيره على سكانه في الشرق الأوسط " وهو فندق ديفيد في القدس " وأن أول طائرة مدنية أسقطت في الشرق الأوسط (وهي طائرة الخطوط الليبية ) كلاهما نفذا بأيدي أناس ينتمون لعالم الغرب المتحضَّر .
لكن ربما كان أسوأ هدايا الغرب للعالم الإسلامي في مجال السياسة تقديس الميكيافيلية وقبول المقياس المزدوج للعدل ، والتسليم بمبادئ الغرب في العلاقات الدولية . وقد ساعد على ضعف جهاز المناعة الإسلامي ضد هذه الشرور ، غلبة الشعور بالنقص الناشئ عن الانبهار بما لدى الغرب من قوى الفكر والتكنولوجيا ، وبما استطاع الغرب أن يحققه داخل مجتمعاته من الديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية ، والمساواة أمام القانون بالمقارنة بما ترزح تحته مجتمعات العالم الإسلامي – أحياناً بمساعدة الغرب – من تخلف ، وظلم واستبداد ، وحرمان من الحرية ، والعدل الاجتماعي ، والقانوني .
غير أن العالم الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام منذ أن بدأ تعرضه للغزو الغربي في ميدان الثقافة الشريرة مهيئاً لصحوة النائم ، وإدراك الجانب السلبي للحضارة الغربية كما هو مهَّيؤ في الوقت الحاضر ذلك أن الإنسان مفطور بطبعة على كراهية الظلم – إذا كان صادراً من غيره – حتى لو كان واقعاً على غيره ، فكيف إذا كان هو الضحية ؟! .
وفي السنوات الأخيرة – وهي سنوات أصبحت فرص الوعي فيها أكبر – مرت المجتمعات الإسلامية بسلسلة من أشنع المظالم ظهرت في صورة من الوحشية والهمجية والتنكر لكل المعاني الإنسانية ، وقد صدرت من العالم " المتحضر " وبمباركته مثلاً في فلسطين ، والبوسنة والهرسك ، والشيشان ، بل إن ما كان الإعلام الغربي يصفه على حقيقته ، بأنه حركته ضد الظلم والاستبعاد في تركستان الشرقية ، وكشمير أصبح على لسان الساسة الغربيين إرهاباً يبرر التحالف الدولي للقضاء عليه .
مغزَى ما سبق أن البيئة الفكرية في العالم الإسلامي مهيَّئة الآن للتعرف على الجانب السلبي للحضارة الغربية وإدراك خطر وخطل المبادئ السياسية الغربية في العلاقات الدولية . وأصبح المسلم الآن أكثر استعداداً للثقة بمنهج الإسلام وأنه طوق النجاة للعالم إذا أراد أن يتغلَّب على قوى الشر .
إذاً ، فعلى أهل الفكر والرأي أن يبذلوا أقصى جهد لتوعية الجماهير في العالم الإسلامي بأمرين :
– المنهج الإسلامي في علاقة الإنسان بغيرة ، وأنه لا خيار للمسلم – إذا أراد أن يبقى مسلماً حقيقياً – إلا الالتزام بهذا المنهج والمبادئ التي تبنى عليه ، وأن واجبه الديني في ذلك لا يقل عن واجبه في أداء العبادات من الصلاة والصوم والحج .
– كشف حقيقة الجوانب السلبية للحضارة الغربية ، والتوعية بنتائج هذه الجوانب الفكرية والعملية ، والإلحاح على تعرية صورها الحقيقية ممثَّلة في الحوادث الواقعية ، وفي تصريحات الساسة والمفكَّرين لا بقصد إثارة الكراهية ضد الغرب ، وإنما إثارة الكراهية ضد المبادئ الشريرة في الثقافة الغربية .
وأبلغ أثراً من كل هذا أن يهتمَّ المربُّون بهذه النواحي ، ويضمنوا مناهج الدراسة عناصر كافية للوفاء بهذا الفرض ، ليس في مادة التاريخ والجغرافيا فحسب ، بل في غيرهما من مواد الدراسة ، ولا سيما دروس الدين .