ولكن المبدأ الثالث طبق باستمرار من قبل المسلمين ، وربما يذكر التاريخ حالة واحدة تم الإخلال فيها من قبل المسلمين الملتزمين بأحكام الإسلام .
فيما سبق كان الحديث عن منهج الإسلام في التطبيق في حالة الحرب ، أما في حالة السلم فإن المسلمين الملتزمين بالإسلام في كل زمان ومكان قد اعتبروا القوة الإلزامية للمعاهدات قوة مطلقة ، وهذا بالطبع يختلف تماماً عن المنهج الغربي للعلاقات الدولية ، إذ يحكم المعاهدة كما يحكم غيرها المصلحة القومية والقوة فإذا كانت المصلحة القومية للدولة الحديثة انتهاك المعاهدة وكانت قادرة على ذلك بحيث لا تتوقع أيَّ جزاءٍ ، فإنها لا تتردَّد في تلبية ما تقتضيه المصلحة الوطنية :
- على سبيل المثال والمقارنة ، كلا الدولتين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وقعتا الاتفاقية الدولية الخاصة بالملكية الفنية . ومع ذلك لا تضج الشركات الأمريكية من انتهاك حقوقها بموجب الاتفاق في أي دولة بقدر ما تضجُّ من انتهاكها في إسرائيل . إسرائيل بالطبيعة صديقة لأمريكا وشريكة إستراتيجية . ولكنها كدولة حديثة لا تهتم أجهزتها التنفيذية بحماية حقوق الملكية لدولة أجنبية على حساب مصلحتها القومية في حدود استطاعتها . وبالعكس فإن الأجهزة التنفيذية في المملكة العربية السعودية تطبيقاً لاتفاقيات الدولية لا تحمي الحقوق الأمريكية الفنية بأكثر من حماية الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق المملكة العربية السعودية فحسب ، بل أكثر من حماية الأجهزة التنفيذية الأمريكية نفسها حقوق المواطنين الأمريكيين . والسبب أنَّ المسلم في المملكة العربية السعودية ينظر إلى نصوص المعاهدات كما لو كانت نصوصاً مقدَّسةً لا يتصوَّر أنَّه يمكنه التردد في تنفيذها .
وبصرف النظر عن حكمة أو عدم حكمة سلوك الأجهزة التنفيذية السعودية في الالتزام بما يلزمها قانوناً ، إلا أنَّ المقصود (وهو المطلوب ) للدلالة على الروح التي تحكم المسلم تجاه المعاهدات .
– وللمقارنة أيضاً ، في حرب الخليج وقعت مجندة أمريكية أسيرة في يد العراقيين ، فاهتمّت إذاعة رضي الله عن.B.Cالسؤال عن قواعد الإسلام التي تحكم الأسرى ، بالطبع السؤال لا محلَّ له ، لأنَّ العراق حكومة العراق حكومة بعثَّية علمانية ، وعقدة البعث لا محلَّ فيها لتحكيم الدين أي دين . فحكومة العراق بمقتضى الحال لن تبحث عن أحكام الإسلام لتطبيقها على أسراها ولا أدري بماذا كان الجواب على السؤال الإذاعة . ولكن الجواب الصحيح في حالة الدولة المسلمة التي وقعت على اتفاقيات جنيف الدولية التي تحكم معاملة الأسرى أنها سوف تلتزم كحد أدنى بما تنص عليه هذه الاتفاقيات ، ثم من وراء ذلك ومن فوقه ستعامل الأسير وفق المعايير الخلقية التي يهدي إليها القرآن والسنة الصحيحة ، وهي بالطبع أوفى من الحد الأدنى الذي تلزم به الاتفاقيات الدولية .
نقارن هذا المثل بمثل " طازج " هو معاملة قوات التحالف الدولي لأسرى الحرب في أفغانستان بالطبع لا نتوقع من اتفاقيات جنيف أن تسمح بقصف الأسرى ، أو حرقهم بالديزل ، أو إغراقهم بالماء المجمد ، أو رميهم بالرصاص وهم مكتوفو الأيدي من الخلف ، أو وهم يصلون ، أو المعاملات اللاإنسانية الأخرى .
ولكن الأسوأ من ذلك أن الأمر لم يقتصر على انتهاك أحكام الاتفاقيات ، بل تعدي إلى الجناية على نصوصها ، إذ لكي يفر التحالف الدولي من نسبته إلى انتهاك الاتفاقيات الدولية أو نسبته إلى ارتكاب جرائم الحرب سمى المحاربين الذين أسروا وهم في حالة الدفاع ضدَّ الهجوم في المعركة الحربية والبرية إرهابيين ومعتقلين ، مقرَّراً سابقة خطيرةٌ لإلغاء الالتزام كلياً بقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية عن طريق تغيير الاسم والتلاعب بالألفاظ .