تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبذلك صرح به الفقيه أبو جعفر ، وإلى ما ذهبنا إليه من اختلافها غنى وفقراً وتوسطاً ذهب عمر . وعلي . وعثمان رضي الله تعالى عنهم . ونقل عن الشافعي أن الإمام يضع على كل حالم ديناراً أو ما يعدله والغني والفقير في ذلك سواء ، لما أخرجه ابن أبي شيبة عن مسروق أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له : خذ من كل حالم ديناراً أو عدله مغافر ولم يفصل عليه الصلاة والسلام ، وأجيب عنه بأنه محمول على أنه كان صلحاً . ويؤيده ما في بعض الروايات من كل حالم وحالمة لأن الجزية لا تجب على النساء ، والأصح عندنا أن الوجوب أول الحول لأن ما وجب بدلاً عنه لا يتحقق إلا في المستقبل فتعذر إيجابه بعد مضي الحول فأوجبناها في أوله ، وعن الشافعي أنها تجب في آخره اعتباراً بالزكاة .

وتعقبه الزيلعي بأنه لا يلزمنا الزكاة لأنها وجبت في آخر الحول ليتحقق النماء فهي لا تجب إلا في المال النامي ولا كذلك الجزية فالقياس غير صحيح ، واقتضى كما قال الجصاص في أحكام القرآن وجوب قتل من ذكر في الآية إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة أنه لا يكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولاية ونفاذ الأمر والنهي لأن الله سبحانه إنما جعل لهم الذمة بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغضب وأخذ الضرائب بالظلم وإن كان السلطان ولاه ذلك وإن فعله بغير إذنه وأمره فهو أولى وهذا يدل على أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يتولون أعمال السلطان وأمرائه ويظهر منهم الظلم والاستعلاء وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة ولو قصد المسلم مسلماً لأخذ ماله أبيح قتله في بعض الوجوه فما بالك بهؤلاء الكفرة أعداء الدين .

وقد أفتى فقهاؤنا بحرمة توليتهم الأعمال لثبوت ذلك بالنص ، وقد ابتلى الحكام بذلك حتى احتاج الناس إلى مراجعتهم بل تقبيل أيديهم كما شاهدناه مراراً ، وما كل ما يعلم يقال فإنا لله وإنا إليه راجعون . هذا وقد استشكل أخذ الجزية من هؤلاء الكفرة بأن كفرهم هن أعظم الكفر فكيف يقرون عليه بأخذ دراهم معدودات .

وأجاب القطب بأن المقصود من أخذ الجزية ليس تقريرهم على الكفر بل إمهال الكافر مدة ربما يقف فيها على محاسن الإسلام وقوة دلائله فيسلم ، وقال الاتقاني : إن الجزية ليست بدلاً عن تقرير الكفر وإنما هي عوض عن القتل والاسترقاق الواجبين فجازت كإسقاط القصاص بعوض ، أو هي عقوبة على الكفر كالاسترقاق ، والشق الأول أظهر حيث يوهم الثاني جواز وضع الجزية على النساء ونحوهن . وقد يجاب بأنها بدل عن النصرة للمقاتلة منا ، ولهذا تفاوتت لأن كل من كان من أهل دار الإسلام يجب عليه النصرة للدار بالنفس والمال ، وحيث إن الكافر لا يصلح لها لميله إلى دار الحرب اعتقاداً أقيمت الجزية المأخوذة المصروفة إلى الغزاة مقامها ، ولا يرد إن النصرة طاعة وهذه عقوبة فكيف تكون العقوبة خلفاً عن الطاعة لما في النهاية من أن الخليفة عن النصرة في حق المسلمين لما في ذلك من زيادة القوة لهم وهم يثابون على تلك الزيادة الحاصلة بسبب أموالهم ، وهذا بمنزلة ما لو أعاروا دوابهم للغزاة . ومن هنا تعلم أن من قال : إنها بدل عن الإقرار على الكفر فقد توهم وهماً عظيماً .

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1922)

قال الإِمام الرازى : اعلم أنه لما ذكر - سبحانه - حكم المشركين فى إظهار البراءة من عهدهم ، وفى إظهار البراءة عنهم فى أنفسهم ، وفى وجوب مقاتلتهم ، وفى تبعيدهم عن المسجد الحرام . . ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد .

وقال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى . وكان ذلك فى سنة تسع ، ولهذا " تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة . ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك فى عام جدب ، ووقت قيظ حر . وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ، ونزل بها ، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً ، ثم استخار الله فى الرجوع ، فرجع عامه ذلك لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢١٦