لقد شرع الجهاد لإرهاب الكفار وإخراجهم وإذلالهم وإغاظتهم وأعدوا لهم ماستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ، ويقول تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين لهذا ولغيره شرع الجهاد.
أيها المسلمون: قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين . إن مواجهة الكفار وقتال الكفار ،حتم لابد منه ،مادام أن هناك إسلام في الأرض وكفر ،فإن حتمية المواجهة لابد منها. ولهذا ينبغي أن نعلم ،بأن قتال الكفار أصل في دين الإسلام ،لا يمكن أن يتغير بتغير الزمان ،وعليه ،فإن مصطلح "التعايش السلمي" مصطلح كاذب ،مخالف لشريعة رب العالمين.
الكفار في الإسلام لنا معهم ثلاث حالات معروفة مضبوطة في ديننا. إما أن يسلموا فلهم مالنا وعليهم ما علينا ،أو يبقو على دينهم ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذا قال بعض أهل العلم بأنه خاص بأهل الكتاب ،أما الكفار فإما الإسلام أو الثالثة وهو السيف. قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لقول الله جلا وعلا: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم عن علي بن أبي طالبٍ قال: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وسيف لكفار أهل الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ،ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . وسيف للمنافقين جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم . وسيف للبغاة فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله .
أيها المسلمون: إن الآية التي قرأتها قبل قليل يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار علق عليها الحافظ ابن كثير رحمه الله تعليقاً نفيساً جداً أقرأه بطوله ،لأنه يبين ،بأن الجهاد والقتال أصل في شريعة الإسلام، وأنه يجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الأقرب فالأقرب ،وأن هذا كان نهج ولاة المسلمين. قال رحمه الله: أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأول ،الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب ،فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهَجْر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا ،شرع في قتال أهل الكتاب. فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب ،فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال وكان ذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام ،ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجة الوداع ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد الحجة بأحد وثمانين يوماً فاختاره الله لما عنده ،وقام بالأمر وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر رضي الله عنه ،وقد مال الدين ميلة كان أن ينجفل فثبته الله تعالى به ،فوطد القواعد ،وثبت الدعائم ورد شارد الدين وهو راغم ،ورد أهل الردة إلى الإسلام ،وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام ،وبين الحق لمن جهله ،وأدى عن الرسول ما حمله ،ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان ،وإلى الفرس عبدة النيران ،ففتح الله ببركة سفارته البلاد ،وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد ،وأنفق كنوزهما في سبيل الله ،كما أخبر بذلك رسول الله ،وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده وولي عهده ،الفاروق الأواب ،شهيد المحراب ،أبي حفص عمر بن الخطاب ،فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين ،وقمع الطغاة والمنافقين ،واستولى على الممالك شرقاً وغرباً ،وحُملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم ،بعداً أو قرباً ،ففرقها على الوجه الشرعي ،والسبيل المرضي ،ثم لما مات شهيداً وقد عاش حميداً ،أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان شهيد الدار ،فكسا الإسلام رياسة حُلةٍ سابغة. وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة ،وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ،وعلت كلمة الله وظهر دينه وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها ،فكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار ،امتثالاً لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار . انتهى.