تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ مفعول لأجله ، والعامل فيه اختلف أى وما اختلفوا إلا للبغى لا لغيره قال القرطبي : " وفي الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم " .

ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال : ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ . أى : ومن يكفر بآيات الله الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن الله محص عليه أعماله في الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه في الآخرة .

فقوله ﴿ فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ قائم مقام جواب الشرط وعلة له ، أى : ومن يكفر بآيات الله فإنه - سبحانه - محاسبه ومعاقبه والله سريع الحساب .

وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب ، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه - لا يحتاج إى فحص وبحث ، لأنه لا تخفى عليه خافية .

ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ .

وقوله ﴿ حَآجُّوكَ ﴾ من المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة ، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا شك فيه .

والمعنى : فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك . فلا تسر معهم في لجاجتهم ، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم ، بل قل لهم ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ أى أخلصت عبادتى لله وحده ، وأطعته وانقدت له ، وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه له وأخلص له العبادة .

والمراد بالوجه هنا الذات ، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص ، ولأنه هو الذي تكون به المواجهة ، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل .

و ﴿ وَمَنِ ﴾ في قوله ﴿ وَمَنِ اتبعن ﴾ في محل رفع عطفا على الضمير المتصل في ﴿ أَسْلَمْتُ ﴾ أى أسلمت أنا ومن اتبعنى ، وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما .

وقوله ﴿ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ عطف على الجملة الشرطية ، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب .

والاستفهام فى قوله ﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ للحض على أن يسلموا وجوههم لله ، ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون .

والمعنى : فإن جادلوك في الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك ، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهى لله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكن أنى على حق ، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة .

قال صاحب الكشاف : وقوله ﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته : هل فهمتها لا أم لك . ومنه قوله - تعالى - ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر . وفي هذا الاستفهام استقصار - أى عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق .

ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج ، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال : ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ والله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ١٤٨