وحين نقرا الآيات كلها في سورة (طه) يتبين لنا بوضوح أنه ليس من شرط القول اللين أن لا يتضمن حقا يدعى إليه أو باطلا ينكر عليه وإن أزعجه ذلك. يقول تعالى: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ(47) ﴾ وفرعون لا يعترف برب فلو قالا: رسولا الله أو رسولا الرب لكان أخف وقعا وألين من هذه الإضافة التي تشير صراحة إلى أن فرعون مربوب لا رب، مع ما فيها من لمز بما يعتقد من ربوبية نفسه. ليس هذا فحسب! وإنما معه: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ(47) ﴾ وهما مطلبان يثيران حفيظة كل طاغية بل كل حاكم: المطالبة بالانفصال بجزء من شعبه، واتهامه بظلمه من قبل واحد من الرعية مطلوب للعدالة بتهمة قتل سابقة! ثم يتبعه بقوله: ﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ(47) ﴾ مرة أخرى (ربك) ثم ﴿ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ.. ﴾ على من؟ : ﴿ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى(47) ﴾ وليس على فرعون! ثم ينهي خطابه بقوله: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(48) ﴾ وهو تهديد ووعيد وشتم ووسم بالتكذيب والتولي عن اتباع الهدى فلا سلام اذن بين الفريقين!
وتذكر لنا سورة (الإسراء) أن موسى حين قال له فرعون: ﴿ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا(101) ﴾ غضب وردها عليه قائلاً: ﴿ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا(102) ﴾ واحدة بواحدة والبادئ اظلم!
وحين جاء السحرة ﴿ قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى(61) ﴾ طه. ولم يسرها في نفسه خشية نفرتهم. ولم يمنع ذلك السحرة من قبول الحق حين رأوا الآيات فأيقنوا بها.