أهمية تبني (القضية):
ينظر البعض إلى مسائل الحياة ومشاكلها أو مسائل الدين نفسه نظرة جزئية مفككة فينشغل بمسألة ما يجعلها محط نظره ومحور اهتمامه وحركته ليهمل بقية المسائل. وهكذا يفعل كل فريق. وفي النهاية ينقسم المسلمون في البلد الواحد أقساما غير متجانسة تتنافر فيما بينها وتختلف تبعاً لاختلاف المسائل التي تبناها كل فريق على حدة دون اتفاق أو تنسيق. وهذا ما نهى الله عنه وذمه بقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) ﴾ المؤمنون. إن هذا يقطع المقتسمين أنفسهم ويحيلهم شيعاً وأحزاباً متنافرة كما قال تعالى: ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ… (14) ﴾ المائدة. فأخذ بعض الدين ونسيان بعضه يؤدي إلى هذه النتيجة المأساوية.
وللخروج من هذا المأزق –لا سيما وان الإنسان لا يمكن له عملياً تطبيق جميع المطالب والاهتمام بجميع المسائل جملة واحدة- لا بد من اللجوء إلى نظرية (القضية). حيث ستحل لنا هذه النظرية جميع الإشكالات وتعطي جميع المسائل الممكنة ما يناسبها من اهتمام. إن نظرية (القضية) تعلمنا أن للدعوة محوراً هو المشكلة أو المسألة الكبرى في الواقع المعين تدور حوله (القضية) استناداً إلى قاعدة التوحيد.
إن محورية الدعوة لا تعني أبدا إهمال المسائل الأخرى غير المحورية، وهي تقترب أو تبتعد عن المركز الذي تستقر فيه المسألة الكبرى وتتحرك لتكون هي محور الاهتمام أو (القضية). بل إن الأمر على العكس تماماً. فإن وضع اليد على المحور وتشخيص (القضية) يعطي لبقية المسائل أهميتها وحيويتها كلاً بحسبها، ويحركها ليجعلها تدور في فلكها الخاص بها وهي تنشدُّ إلى المحور بدل أن تظل جامدة ميتة أو مغلفة لا حراك فيها.