لكنه بعد أن انتهى من حديثه وصلينا العشاء ركب سيارته وانطلق إلى بيته فكان ذلك أول عمل قام به هو بعد الصلاة، والسلام على الحاضرين! وانفض الجمع كلاً إلى بيته كذلك! ولا زالت عمليات الحفر تجري تحت بيت المقدس.
ماذا يمكن لمصل في مسجد أن يفعل لبيت المقدس وبينه وبينه حدود وقيود؟ لا شيء سوى الحزن والدعاء! لقد فات شيخنا الكريم أن العمل الذي طلبه منا عمل حكومات وجماعات أو دول وليس عمل أفراد فكان الأولى به أن يوجه طلبه هذا إلى من ينبغي أن يوجه إليه أو إلى الجهة القادرة عليه. وأما هؤلاء المساكين الذين ينظرون إليه وهم لا (يبصرون) فكان عليه أن يطلب منهم عملاً يستطيعون القيام به في الزمان والمكان المعين حتى يقترن القول بالفعل وتتعود الأمة على العمل وإلا كنا أمة خطابات وشعارات وكفى.
وفات شيخنا- وهو ذو علم جم- التفريق بين ما هو مطلوب أولاً من الناحية النظرية وما هو مطلوب أولاً من الناحية العملية وإلا وقعنا في متاهة لن نخرج منها. إن ما قاله مطلوب أولاً ولكن من الناحية القيمية النظرية. أما من الناحية الواقعية الممكنة فقد يموت الفرد المسلم المخاطب في ذلك المسجد ولا يفعل شيئاً. فالحديث عنه وعن أمثاله من المشاريع النظرية فردياً -إذا زاد عن حده أو وضع في غير موضعه- تضييع للوقت وتبذير للجهود وتعطيل لطاقات الجمهور. وكل ما نؤديه يكون شيخاً يتكلم وأستاذاً يحاضر وجمهوراً ساكناً يسمع ويبلع و… لا شيء بعدها.
الهروب المقنع من الواقع:
إن الحديث المر عن الشيشان وكشمير والفلبين وأفغانستان وغيرها من البلدان الإسلامية المنكوبة، مع الذهول عن مشاكل البلد أو الواقع الذي نعيش فيه ما هو -في كثير من الأحيان- إلا تعبير عن الهروب من هذا الواقع، مع إيهام النفس بأن المتحدث (يهتم بأمر المسلمين).