وقد تنبَّأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بظهور الحسد وفُشُوِّه في أمته فقال: "سيصيب أمتي داء الأمم" قالوا: وما داء الأمم؟ قال: "الأشر، والبطر، والتكاثر، والتنافس في الدنيا، والتباعد، والتحاسد حتى يكون البغي، والهرج" (1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "دّبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء هي الحالقة، ... لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم" (2).
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته عن الحسد فقال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (3).
وقد حذَّر العلماء من هذه الآفة، وبيَّنوا خطورتها، خاصَّةً إذا كانت بين العلماء.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: استمعوا علم العلماء، ولا تُصدِّقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايُراً من التيوس في زربها (4).
وقال أيضاً: خذوا العلم حيث وجدتُم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة (5).
وقال مالك بن دينار: يُؤخذ بقول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فلهم أشد تحاسُداً من التيوس (6).
والعلماء لا يحسدون بالمعنى المذموم البغيض، وإن كان ينشأ بينهم نوعٌ من التنافس، قد يجُرُّ إلى قليلٍ من الحسد، فينشأ عنه كلام سوء، وخروجٌ عن الجادة.
(1) () الحاكم في المستدرك 4/ 185 رقم: 7311 وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(2) () الترمذي كتاب صفة القيامة 4/ 288 رقم: 2518، وأحمد في مسنده 2/ 189 ... رقم: 1412، وإسناده صحيح.
(3) () البخاري كتاب الأدب باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر 10/ 496 رقم: 6064، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله وعرضه 4/ 1986 رقم: 2564.
(4) () جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر صـ: 435 رقم: 1183.
(5) () جامع بيان العلم وفضله صـ: 435 رقم: 1183.
(6) () حلية الأولياء 2/ 378، وجامع بيان العلم وفضله صـ: 435 رقم: 1183.