2 - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن، قال له: ((كيف تقضي إذا عَرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله)) (1).
يؤخذ من الحديث أنه إذا وجد الدليل من الكتاب والسنة فلا يجوز العدول عنهما، ولا الحيدة عن جادتهما؛ لأن التشريع حق لله -تعالى- فالإشراك بالله في حكمه، كالإشراك به في عبوديته؛ ولأن إعطاء أحد من الناس صلاحية التشريع، يجعله متأثراً بالمصالح والأهواء الخاصة، وترك مصلحة الأمة العليا (2).
ثالثا الإجماع:
فقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على وجوب التحاكم إلى ما أنزل الله، وأن من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة، أو بدل الشرع المجمع عليه، أو حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، كفر بإجماع المسلمين (3).
وبعد ما مضى من الأدلة والبيان، فإن التحاكم إلى شرع الله واجب في جميع ما يقع بين العباد من خصومات، وفي كل شئون الحياة إذ أن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله الخضوع لحكمه، والنزول عند شرعه، والرضا، والتسليم
(1) سنن أبي داود: كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم الحديث (3592)، والحديث حسنه ابن كثير والشوكاني. انظر: تفسير ابن كثير 1/ 4، وفتح القدير 3/ 270.
(2) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، أ. د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط 4، 8/ 6140.
(3) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ط 1، 13/ 139، ومجموع الفتاوى، شيخ الإسلام، دار الوفاء، المنصورة، ط 4، 2/ 167، وأضواء البيان، الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، 7/ 48.