المطلب الثالث
مقارنة أحكام النفقة بين الشريعة والقانون
بعد ذكر أحكام النفقة في التشريعين، يجدر بنا أن نقف مع أوجه المقارنة بينهما، فأقول: إن من أوجه الاتفاق بين التشريعين:
إن كلا التشريعين جعل النفقة هي: الالتزام بالإطعام والكسوة والسكنى تجاه المنفق عليه، بيد أن القانون الفرنسي أضاف على المنفق لزوم علاج المنفق عليه، إن احتاج إلى ذلك (1).
ومما اتفق فيه التشريعان: وجوب النفقة على كل من لزمته، ولا مناص عن النكوص عنها، وكذلك أن النفقة واجبة بين الأقارب: كالآباء على الأبناء، وكذلك العكس، وبين الزوجين.
ومن أوجه الاتفاق بينهما: أن النفقة على قدر كفاية المنفق عليه، وعلى حسب يسار المنفِق.
ومن أوجه الاتفاق بينهما: أن القضاء في القانون الفرنسي قد يُعفي الزوج جزيئا من النفقة، لتقصير الزوجة في حق زوجها، وفي الشريعة كذلك للزوج أن يمسك النفقة عن زوجه، إن كانت ناشزًا.
ومما اتفق فيه التشريعان: أن نفقة البنت المتزوجة، ليست على أبيها، وإنما على زوجها، لكن إن أعسر الزوج، وتركها بلا نفقة، فلها حق الفسخ في الشريعة، كما تقدم، وتعود نفقتها على أبيها (2).
(1) قرر فقهاء المذاهب الأربعة: عدم وجوب علاج الزوجة المريضة، وقالوا: كما أنه لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار، فإنه لا يلزم الزوج أجرة الطبيب؛ لأن ذلك يراد به حفظ بدنها لعارض، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب ذلك، وقالوا: الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة هو: ما يكفيه بالمعروف وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له النفقة، ومن الكفاية العلاج، وهو الراجح؛ لأن الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة، وهذا هو العرف وهو المعمول به في وقتنا المعاصر، ولصعوبة الحصول على العلاج، وتكلفته، بخلاف الأزمنة المتقدمة. انظر: الروضة الندية، القنوجي، 2/ 79، وحاشية، ابن عابدين، 3/ 580، والتاج الإكليل، 5/ 545، وروضة الطالبين، النووي، 9/ 50، والمغني، ابن قدامة، 8/ 199.
(2) انظر: الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، أحمد بن غنيم، 2/ 69.