تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأى يوليان على الرغم من دعم صلاته بدولة القوط في أسبانيا أن تطور الأوضاع في بلاد المغرب واستقرار الفتوح الإسلامية بها يفرض عليه حسن الجوار مع الإدارة العربية الجديدة وتجنب الاصطدام بها؛ ولذا رحب يوليان بسياسة موسى بن نصير الذي آثر عدم الاستمرار في الاستيلاء على سبتة، وكان موسى قد ترك لقائده طارق بن زياد في طنجة مهمة تنظيم علاقة الجوار مع حاكم هذه المدينة الهامة الذي يعتبر مفتاح بلاد الأندلس، ونجح طارق في دعم صداقته ليوليان، وبدأ يطل من هذه المدينة على أسبانيا ويدرس أحوالها دون أن يثير مخاوف القوط أو يبعث الريبة في نفوسهم باستعدادات المسلمين الحربية، وسارت الأمور بعد ذلك في سبتة بما ساعد موسى بن نصير على أن يكمل دراسته الخاصة بفتح أسبانيا ويعرف المزيد من الأخبار التي تهيئ للمسلمين القيام بفتوحهم في هذا الميدان الجديد؛ وسبب ذلك أن دولة القوط في أسبانيا تعرضت لاضطرابات شديدة تردد صداها في مدينة سبتة، ودفعت بحاكمها يوليان إلى الانتقال من سياسة حسن جواره للمسلمين إلى سياسة التحالف والاتفاق على تحقيق المصالح المشتركة بينهما، ذلك أن أحد كبار رجال القوط - واسمه رودريك، وهو الذي عرفه العرب باسم لوذريق - استطاع أن يطيح بالملك الحاكم وهو غيطشة، ثم اعتلى العرش، ولم يكتف لوذريق بذلك وإنما أخذ يعمل على إنزال أشد ألوان الأذى بأبناء غيطشة وسائر آل بيته، وآتت هذه السياسية الخرقاء من جانب لوذريق ثمرة لم يكن يتوقعها على الإطلاق؛ ذلك أن أبناء غيطشة حين اشتدت بهم المتاعب وسدت في وجوههم السبل أخذوا يلجئون إلى جهة أخرى يستمدون منها العون والمساعدة على استرداد حقهم المسلوب، وكان موسى بن نصير قد بدأ يتطلع إلى أسبانيا عن طريق نافذة سبتة، ولم تلبث الأحداث أن جعلت سبتة تقوم بدور مباشر في نقل صورة كاملة عن تلك الأحوال السائدة في أسبانيا إلى موسى بن نصير، فضلا عن قيامها بدور الوساطة

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ١٤ · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ١٤ · ص ١٩٦