تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قلت :- أوليس أئمتكم الحنابلة يوجبون في سائر النجاسات سبع غسلات فكيف تخالف مذهبك ؟ فأقول :- إن مخالفة المذهب بمقتضى الدليل لا حرج فيها بل هو الواجب وذلك لأن الحق أحب إلينا من البقاء على المذهب في هذه الجزئية المخالفة للراجح ، وللمسألة موضع آخر ، والذي يعنيني هنا هو أن تعرف أن الأصحاب بنوا مذهبهم في هذه الجزئية على قول ابن عمر " أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً " لكنه حديث ساقط لا يعرف له سند يثبت وإنما هو مما يتداوله الفقهاء في كتبهم من غير بحث عن أصله ، وقد تقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة ، فهو كلام باطل وما بني على الباطل فهو باطل ، فإن قلت :- ورواية الثلاث فلعلها بنيت على أحاديث صحيحة ؟ فأقول :- نعم الأحاديث صحيحة لكن هي في إزالة الخارج من السبيلين ، وهم قاسوا سائر النجاسات عليها ومن شرط صحة القياس العلم بالعلة حتى يمكن إلحاق الفرع بالأصل ، وأما الأحكام التعبدية فإنه لا يصح القياس فيها ، إذا علمت هذا فاعلم أن تكرار غسل النجاسات الثابت بالدليل الصحيح ليس المراد منه فقط حصول الإنقاء بدليل أنه قد يحصل الإنقاء بمسحة أو بحجر واحد ومع ذلك يلزمه استيفاء الثلاث ، وفي نجاسة الكلب لم تتكرر الغسلات لغلظ النجاسة وإلا لتكررت أكثر في نجاسة العذرة لأنها أغلظ من نجاسة لعاب الكلب ، وإنما تكررت وزيد التراب فيها لعلة يعلمها الله تعالى فحيث تقرر هذا فلا يصح حينئذ القياس لأن هذا التكرار من الأحكام التعبدية والأحكام التعبدية لا يدخلها القياس هذا أولاً ، وثانياً :- أن لا يقال بالقياس إلا مع عدم النص وأما القياس مع وجود النص فلا داعي له ، فكيف إذا عورض النص به ؟ لا شك أنه يكون باطلاً لأنه قد تقرر في القواعد أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار وقد ثبت في نجاسات كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم غسلها وأمر بغسلها من غير عدد فلو كان العدد شرطاً في غسلها لبينه فإذاً

إتحاف النبهاء بضوابط الفقهاء · الصفحة ١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف النبهاء بضوابط الفقهاءص ١٤٨