تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمرهما أن ينتسبا إلى جرم لأن العرب لا تخافها لغارة ولا تعتد بها وهذا غاية الخمول والسقوط عندهم وكذلك قول الآخر [وافر]

فما فعلت بنو رومان خيرا    وما فعلت بنو رومان شرا

وما خلقت بنو رومان إلا أخي    را بعد خلق الناس طرا

[2.8.31]

ومثله في الخمول [متقارب]

تجانف رضوان عن ضيفه    ألم تأت رضوان عني النذر

بحسبك في القوم أن يعلموا    بأنك فيهم غني مضر

وأنت مليخ كلحم الحوا    ر لا أنت حلو ولا أنت مر

كأنك ذاك الذي في الضرو    ع قدام درتها المنتشر

إذا ابتدر الناس لم تأتهم    كأنك قد ولدتك الحمر

وقد علم الضيف والطار    قون أنك للضيف جوع وقر

وهذا يكثر إن تتبعناه ويطول به الكتاب ولم يكن قصدنا للإخبار عن المناقب والمثالب وإنما أردنا الإخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم موقعه برفعه قوما وحطه آخرين.

2.8.5

[2.8.32]

وكان القبيل من العرب إذا نشأ فيهم غلام فقال شيئا من الشعر أو رجز في حداء بعير أو متح بدلو سر به قومه واستبشرت عشيرته وقدموه وعظموه ورشحوه للمنافحة عنهم والدفع عن أعراضهم وأتاهم الأقارب والمجاورون قال الأعشى لقومه [طويل]

أدافع عن أعراضكم وأعيركم    لسانا كمقراض الخفاجي ملحبا

[2.8.33]

وقال جرير [طويل]

ألم أك نارا يصطليها عدوكم    وحرزا لما ألجأتم من ورائيا

وباسط خير فيكم بيمينه    وقابض شر عنكم بشماليا

ألا لا تخافا نبوتي في ملمة    وخافا المنايا أن تفوتكما بيا

[2.8.34]

حدثني الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن جويرية بن أسماء أنه قال لمساور بن هند لم تقول الشعر؟ قال أسقي به الماء وأرعى به الكلأ وأقضي به الحاجة فإن كفيتني ذلك تركته.

[2.8.35]

وقال عمر بن الخطاب الشعر جزل من كلام العرب يسكن به الغيظ وتطفأ به النائرة ويتبلغ به القوم ويعطى به السائل وقال أيضا نعم الهدية للرجل الشريف الأبيات يقدمها بين يدي الحاجة يستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم.

[2.8.36]

والمنثور من الكلام لا يبلغ في الحوائج واستنجاحها والسخائم واستلالها والمدح والفخر والعتاب والسباب والتحضيض والصبر وغير ذلك من الأمور التي يحتاج الناس إلى التلطف فيها بالقول مبلغ الشعر.

[2.8.37]

قال الرياشي مر خليد بن عينين بعامل لزياد على بعض كور فارس فسأله فلم يعطه وقال أنت تدل بالشعر فاذهب فقل ما شئت فقال أنا لا أهجوك ولكني أقول ما هو أشد عليك من الهجاء وأنشأ يقول [وافر]

وكائن عند تيم من بدور    إذا ما حركت تدعو زيادا

دعته دعوة شوقا إليه    وقد شدت حناجرها صفادا

فنمى الشعر إلى زياد فقال لبيك يا بدور تيم وبعث إليه فأخذ منه مئة ألف درهم ولو أن هذا الشاعر رفع في تخوين هذا العامل ما بلغ كلام سحبان وائل وأطول من خطب المصلحين بين العشائر لم يبلغ ذلك مبلغ هذين البيتين ولا كان إلا كأحد الرافعين.

فضل العرب والتنبيه على علومها · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فضل العرب والتنبيه على علومهاالمقدمة