منهما فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين، وجامعا لمعتاد الأمرين. وكذلك١ إذا عظم الأمر واشتد الخطب على أنه لا يقوم له، ولا يحضر فيه إلا الأجلاد وذوو البسالة، دون الولدان وذوي الضراعة. فصار العلم بفقد هذا الضرب من الناس وصله فيه٢ بينهما، وعذرا في تصاقبهما٣ وتدانى حاليهما.
ومن ذلك أن يقال: من أين تجمع قول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا٤
مع قول الآخر -فيما رويناه عن ابن الأعرابي:
وطعنة مستبسل ثائر ... ترد الكتيبة نصف النهار٥
ومع قول العجاج:
ولم يضع جاركم لحم الوضم٦
ومع قوله أيضًا:
حتى إذا اصطفوا له جدارا٧
باب في المستحيل، وصحة قياس الفروع، على فساد الأصول
...
ونحو من ذلك لفظ الدعاء ومجيئة على صورة الماضي الواقع؛ نحو أيدك الله، وحرسك الله، إنما كان ذلك١ تحقيقا له وتفؤلا٢ بوقوعه أن هذا ثابت بإذن الله، وواقع٣ غير ذي شك. وعلى ذلك يقول السامع للدعاء إذا كان مريدا لمعناه: وقع إن شاء الله ووجب لا محالة أن٤ يقع ويجب.
وأما قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
فإنما حكى فيه الحال الماضية، والحال لفظها أبدا في بالمضارع؛ نحو قولك: زيد يتحدث ويقرأ، أي هو في حال تحدث، وقراءة. وعلى نحو من حكاية الحال في نحو٥ هذا قولك: كان٦ زيد سيقوم أمس، أي كان متوقعا "منه القيام"٧ فيما مضى. وكذلك قول الطرماح:
واستيجاب ما كان في غد
يكون عذره فيه: أنه جاء بلفظ الواجب؛ تحقيقا له، وثقة بوقوعه، أي إن الجميل منكم واقع متى أريد، وواجب متى طلب.
وكذلك قوله:
أوديت إن لم تحب حبو المعتنك
جاء به٨ بلفظ الواجب؛ لمكان حرف الشرط الذي معه، أي إن هذا كذا لا شك فيه، فالله الله "في أمرى"٩ يؤكد بذلك١٠ على حكم في قوله:
يا حكم الوارث عن عبد الملك
١ في ز، ط: "لذلك".
٢ زيادة في ز، ط.
٣ في ش، د، هـ، ز: "تصافيهما" ويبدو أنه تصحيف لما أثبت وفي ط: "تضامنهما".
٤ هذا مطلع قصيدة له في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان عزم على الإسلام فصدته قريش. والسليم: اللديغ. وانظر الصبح المنير ١٠١.
٥ في ز، ط: "يرد" في مكان "ترد". والبيت من أربعة أبيات لسبرة بن عمرة الفقعسي في نوادر أبي زيد ١٥٥. وفيها: "حاسر" في مكان "ثائر".
٦ من رجز له يخاطب فيه مروان بن الحكم. وقبله:
مروان إن الله أوصى بالذمم ... وجعل الجيران أستار الحرم
وفي الديوان: "لم يكن" في مكان "لم يضع".
٧ من أرجوزة له يمدح فيها الحجاج، ويذكر إيقاعه بالخوارج، فقوله: "اصطفوا" أي الخوارج، يريد: أنهم برزوا له في الموقعة. وجواب الشرط في قولهم بعد:
أورد حذا تسبق الأبصارا ... يسيقن بالموت القنا الحرارا
وهو يريد بالخذ منها ما خفيفة، والحرار جمع الحرى، وصفها بذلك لحرارة الطعن بها.
١ في د، هـ، ز: "فيه".
٢ كذا في ش، وفي د، هـ، ز، ط: "تفاؤلا".
٣ سقط حرف العطف في ش.
٤ كذا في ش، وفي ز، ط: "أي".
٥ في ط: "مثل".
٦ زيادة في ط.
٧ كذا في ز، ط، وفي ش: "للقيام".
٨ سقط في ش.
٩ كذا في ش، وفي ز، ط: "في".
١٠ في ز، ط، وفي ش: "ذلك".