عندما كان بالصعيد رغم دخوله مرحلة المراهقة ـ لم يجد تناقُضًا في تصوُّره، ولا في واقع حياته بين تعاليم الدين النظرية.. وسلوكه العملي، فسلوكه آنئذٍ كان وفقًا لتعاليم الدين، على الأقلِّ حسبما يتصوَّرها، ولذا لم يحسَّ يومًا من الأيام هناك أنه أغضب الله في شيء ما. ... ... ولكن الإحساس بغضب الله عليه لم يظهر في نفسه إلا بعد أن قدِم إلى القاهرة.. وأقام في مسكنٍ مع عمِّه، واختلط بابنته، واشترك معها في استذكار الدروس، وهنا كانت اليقظة القوية لغريزة حبِّ البقاء النوعيِّ. ...
وطبعًا كانت موجودة من قبلُ والطالب لم يزل في الصعيد، ولكنها كانت نائمةً أو كانت عواملُ إثارتها لدَيه ضعيفة، فلمَّا اختلط بابنة عمِّه، كان الاختلاط هوة الجو الذي تشتدُّ وتقوَى فيه هذه الغريزة على أية غريزة أخرى لدَى الشباب وعلى تفكيره، وكلما زاد الاختلاط كلما زاد تيقُّظها وانتباهها، وهنا اختلَّ الوضع السابق، وهو وضع السلوك الإنساني العملي في ملاءمته للتصور الروحي أو الإيماني لدَى الشاب، وابتدأ الوضع السابق يتخَلْخل..وابتدأ الطالب يفقد الاتصال بالله في الصلاة.. وابتدأ الفشل في كل طريقٍ يُحاول به الاحتفاظ بإحساسه القرب من الله.