قوله: (فَأَخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زمانٌ أنْ يَقُولَ قائلٌ: واللَّهِ ما نَجِدُ آيةَ الرَّجْمِ في كتابِ اللَّهِ) ... إلخ وقد كان عمرُ أرادَ أَنْ يكتُبَها في المُصْحَف. فإنْ قلت: إِنَّها إِن كانت مِنْ كِتَابِ الله، وَجَبَ أَنْ تَكْتُبَ، وإلا وَجَبَ أَنْ لا تُكْتَب، فما معنى قولُ عُمر؟ قلتُ: أَخْرَجَ الحافظُ عنه: لكَتَبْتُها في آخر القرآن (١).
١٨ - باب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ (٢)
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٢ - ٣]. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ فِى إِقَامَةِ الْحُدُودِ. ٢١٢/ ٨
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ. أطرافه ٢٣١٤، ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩ - تحفة ٣٧٥٥
٦٨٣٢ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِى عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ. تحفة ١٠٦٠٨
٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْىِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ. أطرافه ٢٣١٥، ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨ - تحفة ١٣٢١٣
لا يُرِيدُ بزِنَى البِكْرَانِ: الزاني، والمَزْنِيَّةَ، بل هو عام، سواءٌ زَنَى البِكْرُ الزاني من ثَيِّب، أَوْ الثيِّبُ مِنْ باكِرة.
٦٨٣٣ - قوله: (قَضَى فِمَنْ زَنَى، ولم يُحْصَنْ: بنفي عامٍ، وبإِقامةِ الحَدِّ عليه) ... إلخ، وفي روَايةٍ: «مَعَ إقامة الحد» (١). وتَمَسَكَ منها الشيخُ ابنُ الهُمامِ على كَوْنِ النفي خارجًا عن الحدِّ.
(١) قلت: أخرجه عن سعيد بن المسيب عن عمر: لكتبتها في آخر القرآن، اهـ: ص ١٧٧ - ج ١٢ من أواخر "باب الاعتراف بالزنا"، وكان في مذكرتي: لكتبتها على الهامش، فراجعت "الفتح" فما وجدت فيه هذا اللفظ، ولكن فيه ما ذكرت لك الآن، فلذا غيرت لفظ الشيخ، على ما في مذكرتي، ووضعت بدله لفظ: آخر القرآن، كما وجدت، والأصرح فيه ما ذكره الشيخ، فمن وجده في "الفتح" فليصحح، فليتنبه.
(٢) قلتُ: قال ابن رُشْدٍ: وأَمَّا عُمدةُ الحنفية فظاهرُ الكتاب، وهو مَبْنيٌّ على رَأيِهم أن الزِّيادَةَ على النَّص نَسْخٌ، وأنَّه ليس يُنْسَخُ الكتاب بأخبار الآحاد، ورووا عَن عمر وغيرِهِ أنَّه حد، ولم يُغَرِّبْ ... إلخ ص ٣٧٥ - ج ٢ "بداية المجتهد".
وفَضلَة الشيخ ابن الهُمَام في "الفتح": ص ١٣٤ - ج ٤ ولنا: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ...﴾ [النور: ٢] شارعًا في بيانِ حُكْمِ الزِّنَا ما هو، فكان المذكورُ تَمامَ حُكمِهِ، وإلا كان تجهيلًا. إذ يُفْهَمُ أَنَّهُ تمامُ الحُكمَ، وليس تَمامُهُ في الواقِعِ، فكان مَعَ الشُّروع في البيانِ، أبعدُ منْ تَرْك البيان، لأنَّهُ يُوقِعُ في الَجَهْلِ المُرَكَّبِ، وذلك =
قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الهامش التالي وقع في المطبوع في ص ٣٦٧، فنقلته لموضعه الصحيح هنا
(١) قُلتُ: وعَزَاها الحافظُ إلى النَّسائي، ولفْظُهُ مختَصَرًا وقع في رواية النَّسائي: أن يُنْفَى عامًا، مع إقامةِ الحدِّ عليه، وقد تَمسَّكَ بِهذِهِ الرواية مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفيَ تعزيرٌ، وأَنَّه ليس جُزءً مِنْ الحدِّ. وأجيب: بأَنَّ الحَدِيثَ يُفَسِّرُ بعضُهُ بعضًا، وقد وقع التصريحُ في قِصة العَسِيف مِنْ لفظ النَّبي - ﷺ -، أَنَّ عليه جلدُ مِائةٍ، وتغريبُ عامٍ ... إلخ. قلتُ: وهل فيه تصريحٌ عن النبيِّ أَنَّ التغريبَ كان حَدًا؟ نَعم، ولمَّا كان الحديثُ يُفسرُ بَعضُه بَعضًا، نقولُ: إِنَّه خارجٌ عَنِ الحدِّ، كما فسَّرهُ حديثُ النَّسائي، والذي يَظْهَرُ أنَّه متفرِّعٌ على اختلافٍ آخر بَيْنَهُم في الزِّيادَةِ بالخَبَرِ على كتابِ الله، وأَنَّه هل يُفِيدُ الكِتَاب، مع ضمِّ الحديثِ حُكْمًا واحدًا، أو هما حُكْمان: حُكْمٌ في الكِتَاب، وحُكْمٌ في الحديث.
فالأوَّلُ ذَهَب إليه الشافعية، كما فعلوا في مَسأَلةِ القِرَاءة، فقالوا: بأنَّ قولَه تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مع قولِه - ﷺ -: "لا صلاةَ إلا بفَاتِحةِ الكتاب". يُفِيدُ حُكمًا واحدًا، فاخْتَارُوا رُكْنِيَةَ الفَاتِحة.
وذَهبَ الحنفيةُ إلى الثاني، فَوَضَعوا كلًا منهما على مَرَاتِبِهِما، ولَهُ نظَائِر، كقولِهِ تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] مع أحاديثِ تَعْدِيلِ الأَرْكانِ، وكَقولِهِ تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] مع قولِهِ - ﷺ -: "تحريمُها التَّكْبِير". وكقولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مع قَولهِ - ﷺ -: "الطواف بالبيت صلاة". -أو كما قال- إلى غيرِ ذلك، فكذلكَ الجَلَدُ، والتَّغْريبُ، فإنَّ القرآنَ لم يَتعرَّضْ إلى التغريبِ، فالحدّ هو الذي اكتَفى به القُرآن، والتغريبُ زائدٌ في الحديث، فَحَمِلَهُ الحنفيةُ على السياسةِ، وذلك بابٌ واسعٌ في الأحاديثِ، ثُمَّ الحافظُ قد اسْتَشْعَرَ بهِ، وَفَطِنَ أَنَّ سكوتَ آيةُ النُّورِ عن ذِكْرِ التغريبِ في موضعِ البيانِ، بيانٌ فأجابَ عنه بأنَّه لا يلزِمُ مِنْ خُلوِّ آية النُّورِ عن النَّفي، عَدَمُ مَشرُوعيتِه، كما لم يَلْزَم مِنْ خُلُوها مِنَ الرَّجمِ ذلك، ومِنَ الحُجَجِ القَوِيةِ أَنَّ قِصةَ العَسِيفِ كانت بعدَ آيةِ النُّور ... إلخ.
قلتُ: أمَّا ما ذكَرَهُ الحافظُ العلامةُ في الرجم، فلا نُسلِّم أَن الآيةَ خالية عنه، كيف! وحالُ الرَّجْم مع الجَلْد ليس كحالِ الجَلدِ مع التغريبِ عندَهُم. وهل يجبُ عند الشافعيةِ الجَلْدُ مع الرَّجْمِ؟ ثمَّ الرَّجْمُ ثابثٌ من كتابِ الله، والإِجماع على ما سبَقَ في غَيرِ واحدٍ مِنْ أحاديث البخاري، وباحث في الصحابةُ رضي الله تعالى عنهم، حتى يَخْلُصَ الأمر إلى أنَّه حقٌ ثابتٌ، ولولا مخافة الناسِ، لَكَتَبَها عمر في آخر القرآن.
وأما الجَلْد فأين هم من ذاك؟ وأمَّا كونُ قِصَةِ العَسِيفِ بعد آيةِ النُّور، فلا حُجةَ لهم فيها، فإنَّ قِصَةَ العَسِيف لا تَصْلُحُ ناسخةً، فإنَّا لمَّا حَمِلْنَاها على السِّياسَةِ لا حاجةَ إلى النُّسخِ، كيف! والعملُ بالنَّسخ مع وُضُوحِ وجه التوفيقِ أَبْعَد.
وسمعت مِنْ شيخي أَنَّ عمر غَرَّبَ مرةً رجلًا، فارتدَّ ولَحِقَ بالكُفَّارِ، فلم يُغَرَّبْ عمر بَعدَهُ أيضًا. ففي ذلك حجةً قويةً على أَنَّ التَّغريبَ لم يَكُنْ مِنَ الحدِّ، ومَنْ أَرَادَ البَسْطَ فَليَرْجِع إلى "شرح معاني الآثار" للطَّحَاوي، فإنَّه أَغْنَى، وأَقْنَى، وليس بَسَطُ المَسائِل، والأسئلةِ، والأجوبةِ مِنْ موضُوعِنا في هذا التعْلِيقِ، وقد مَرَّ بعضُ التَّفْصِيل آنفًا.