تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما اختلفوا في بقاء مشروعيتها على مر الزمان، قال النووي: قال علماء الأمة بأسرها إلا أبا يوسف والمزني: إن شريعتها مستمرة إلى الآن، وهي مستمرة إلى آخر الزمان. وقال أبو يوسف والمزني: لا تشرع بعد النبي ﷺ واحتج بمفهوم قول الله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ وزعم أن الناس إنما صلوها معه لفضل الصلاة معه ﷺ. واحتج الجمهور بأن الصحابة لم يزالوا على فعلها بعد النبي ﷺ، فقد صلاها علي بن أبي طالب في حروبه في صفين وغيرها وصلاها معه آلاف من الصحابة مما يعد إجماعًا، وبقوله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي". فعموم منطوقه مقدم على المفهوم. قال ابن العربي وغيره: شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكنه أوضح من القول، ثم إن الأصل أن كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدو وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم. ولئن كانت الصلاة خلف النبي ﷺ أفضل من الصلاة مع الناس جميعًا إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره.

وقد ذكرت روايات مسلم أوجها متعددة لصلاة الخوف، وروى فيها أبو داود أوجهًا أخرى، وذكر ابن القصار المالكي أن النبي ﷺ صلاها في عشرة مواطن. وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. اهـ.

والذي يعنينا أولًا وبالذات الأوجه التي رواها الإمام مسلم وموقف مذاهب الفقهاء منها، وهي:

١ - ما تصفه الرواية الثامنة والتاسعة حيث يكون العدو في غير جهة القبلة، أو في جهة القبلة وبينه وبين المسلمين حائل وساتر لا يمكن من الرؤية، يجعل الإمام الناس طائفتين، طائفة تقف مواجهة للعدو للحراسة، وطائفة يصلي بهم الإمام جميع الصلاة، ويسلم بهم، سواء أكانت الصلاة ركعتين أم ثلاثًا أم أربعًا، ثم تخرج التي صلت مع الإمام إلى وجه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى، فيصلي بهم مرة ثانية، يكون الإمام فيها متنفلًا، وتكون لمن خلفه فريضة.

وهذه الصلاة صحيحة عند الشافعية من غير خوف، ففي الخوف أولى، والكلام في كونها مندوبة في الخوف أو المندوب وجه آخر؟ خلاف، ويمنعها من يمنع صلاة المفترض خلف المتنفل.

وقد حملت على هذه الصورة الرواية الثامنة والتاسعة، في حالة كون الصلاة ثنائية، ولفظ الثامنة: "فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان".

٢ - ما تصفه الرواية السابعة، حيث يكون العدو أيضًا في غير جهة القبلة، أو في جهة القبلة وبينه وبين المسلمين حائل يمنع مراقبة المصلين له، يفرق الإمام الناس فرقتين، فرقة تقف في مقابلة العدو، وفرقة ينحدر بها الإمام إلى حيث لا يلحقهم سهام العدو، فيحرم بهم، ويصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الركعة الثانية نوى من خلفه الخروج عن المتابعة وصلوا لأنفسهم ركعة أكملوا بها صلاتهم، وتشهدوا وسلموا، وذهبوا إلى وجه العدو، وثبت الإمام واقفًا في صلاة، يقرأ أو لا يقرأ،

فتح المنعم شرح صحيح مسلم · الجزء ٤ · الصفحة ٤٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح المنعم شرح صحيح مسلمج ٤ · ص ٤٥