على ظهره في سجوده، فيظل ﷺ ساجدا إشفاقا عليهم، وخوفا عليهم من الوقوع، ويبولون على ثيابه، فينزعج من حوله من الصحابة، وتحاول أم الطفل خطفه، فيقول: دعوه حتى يتم بوله ولا تقطعوه، ويراه بعضهم يقبل طفلا، فيعجب، فيقول: تقبلون الأطفال يا رسول الله؟ نحن لا نقبلهم، فيقول ﷺ: وما لنا وقد قدت قلوبكم من الحجارة؟ من لا يرحم لا يرحم.
ومن أجل غمر الأطفال بالحنان، وعدم التحرز أو التأفف ممن حملهم خفف الله عن الأمة معالجة أذاهم وتبعاتهم، وعفا عن غسل بولهم، واكتفى بصورة الغسل لا حقيقته، بل بمجرد الرش، ونضح قليل الماء.
وشاعت هذه الشريعة السمحة بين أمهات الأطفال، كما شاع حب الرسول ﷺ لهم، ورأفته بهم، وتحنيكه ودعاؤه لهم، فأسرعت كثيرات من الأمهات بحمل أطفالهن إلى رسول الله ﷺ، يلتمسن منه الدعاء، ويرجون منه التحنيك، ومن هؤلاء أم قيس، حملت طفلها الذي يقتصر على رضاعة اللبن ولم يأكل بعد الطعام وذهبت إلى رسول الله ﷺ فوضعته في حجره، فمضغ تمرة ثم أخذها يدلك بها سقف حلق الطفل والحنك، ثم دعا له بالبركة، وبينما هو كذلك بال الطفل في حجره ﷺ، ورأت الأم البول يسيل على ثوب الرسول الكريم ﷺ، فأسرعت تخطفه من حجره. فقال دعيه. وتركه حتى أكمل بوله، ثم أعطاه لها، ودعا بقليل من ماء فرشه على ثيابه، ومكان بلله فصدق من سماه الرءوف الرحيم، وخاطبه بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤].
-[المباحث العربية]-
(كان يؤتى بالصبيان) بكسر الصاد، ويجوز ضمها، جمع صبي، قال الجوهري: الصبي الغلام، والجمع صبية وصبيان، وفي المخصص: يكون صبيا مادام رضيعا، وفي المنتخب: أول ما يولد الولد يقال له: وليد وطفل وصبي. اهـ. والصبايا جمع صبية.
(فيبرك عليهم) بضم الياء وفتح الباء وكسر الراء المشددة، أي يدعو لهم بالبركة وفي القاموس: البركة النماء والزيادة والسعادة، والتبريك الدعاء بها وبارك الله لك وفيك، وعليك، وباركك. اهـ. يتعدى باللام، و"في"، و"على" وبنفسه، وخص الصبيان بهذه الدعوة لأن الصبي في أول الأمر، قابل للبركة والزيادة، مبتدئ لها في جسمه وعقله وحياته.
(ويحنكهم) في القاموس: الحنك -بفتح الحاء والنون- باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفل من طرف مقدم اللحيين، وحنكه تحنيكا دلك حنكه وحنك الصبي مضع تمرا أو غيره فدلكه بحنكه. اهـ. وفيه لغتان: حنكته بتشديد النون، وحنكته بتخفيفها، والرواية هنا "فيحنكهم" بالتشديد، وهي أشهر اللغتين.
(فأتي بصبي) قال الحافظ ابن حجر: يظهر لي أن المراد به ابن أم قيس المذكور في الرواية