تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله

قال ابن أبي مليكة وقد كان رحمه الله مؤذن أهل مكة، ونسبوا له قصة في ترجمة الإمام مالك، وهي أنه كان يؤذن بـ مكة، وكان صوته جميلًا، فسمع بجانب المسجد مغنيًا مطبلًا مزمرًا يقول:

صغيران نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

وهذا بيت لمجنون ليلى، يقول: يا ليته وليلى كانا يرعيان البهم، ولم يكبروا ولم تكبر البهم، ويلعب معها حياة الضياع والهيام والعشق، وجمع الطوابع والمراسلة، وصيد الدجاج والحمام فلما سمعها ابن أبي مليكة وكان قد وصل في الأذان إلى قوله: حيَّ على الفلاح، فقال: حيَّ على البهم وهو إمام معتبر، وقد ذكر البخاري أنه قال: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا لأنه كان يعظ الناس.

قال: كاد الخيران أن يهلكا والخيران: أبو بكر وعمر؛ لأنهما رفعا صوتيهما عند رسول الله ﷺ، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] فرفعا أصواتهما، فلما أتاهما الخبر؛ قال عمر: والله ما كلمت الرسول ﷺ إلا كأخ السرار.

وهذا هو التوقف عند كتاب الله، وأخو السرار يعني: اللين، وعدم رفع الصوت

وكان خطيب الأنصار ثابت بن قيس بن شماس يخطب بين يدي الرسول ﷺ، فلما نزلت هذه الآية ذهب، فبقي في بيته يبكي صباح مساء، ليلًا ونهارًا، حتى قال ﷺ: ﴿يا معاذ! أين ثابت بن قيس بن شماس؟ قال: اعتزلنا يا رسول الله، ما ندري ماذا حدث له.

فذهبوا إليه وقالوا: مالك؟ قال أنزل الله تلك الآية، وأنا أرفع صوتي عند رسول الله ﷺ فأنا المقصود بها، فأخبروا الرسول ﷺ فقال: أخبروه أنه من أهل الجنة﴾ وقد قتل ثابت بن قيس في اليمامة -وهو من أشجع شجعان الناس- في القتال مع مسيلمة الكذاب دهدهه الله في النار، وكان من المقاتلين المجدين الشهداء العباقرة قتل في سبيل الله؛ فكان من أهل الجنة والحمد لله.

فالتقيد بكتاب الله عز وجل، وبسنة الرسول ﷺ يكون بالتوقف، ولذلك ذكر بعض أهل العلم في كتبهم، كـ ابن عبد البر وأهل السنن قالوا: قام ﷺ يومًا خطيبًا فقال للناس: ﴿يا أيها الناس اجلسوا﴾ فسمع ذلك ابن رواحة وهو خارج المسجد فجلس رضي الله عنه في السكة، فقال له الناس: مالك؟ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: اجلسوا؛ فجلست.

وهذا هو الامتثال.

ولذلك يأتي الباب الثالث الذي بوب له البخاري بقوله: النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله -وقد حصل في التبويب تقديم وتأخير- فالواجب الاكتفاء بالكتاب والسنة، وترك التكلف والتنطع، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة:١٠١ - ١٠٢] وهذا التقدم بين يدي الله ورسوله هو الاقتراح كما يقول سيد قطب، وهو أن تعرض أمورًا من عندك ومن ذهنك تريد أن تسيَّر بها الأمة، وهي ليست في الكتاب ولا في السنة فهذا ملغي، ولا يجوز، وهو أمر محرم، واستحداث في الدين.

وسعيد بن المسيب دخل المسجد -وهذه القصة يصححها الشيخ الألباني وغيره- فدخل رضي الله عنه فوجد بعد أذان الفجر رجلًا من المسلمين يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين ويسلم والسنة بعد أذان الفجر ألا يصلي إلا ركعتي الفجر، ثم صلاة الفجر، وهناك حديث يستدل به الزيدية، ويجعلون وقت بعد طلوع الفجر وقتًا سادسًا من أوقات النهي، فقال سعيد بن المسيب: "يا فلان! لا تصلَّ إلا ركعتين، إني أخشى أن يعذبك الله.

فقال الرجل -بسوء فهمه-: والله لا يعذبني الله لأنني أصلي له.

قال: والله لا يعذبك الله لأنك تصلي له، ولكنه يعذبك لأنك خالفت سنة رسول الله ﷺ فليس العذاب لأنك تصلي، لكن العذاب لأنك خالفت سنة الرسول ﷺ، والعبادة تكون بلا زيادة ولا نقصان، كما صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه﴾.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ٣٤٠ · الصفحة ١٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ٣٤٠ · ص ١٤