تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النكبات تربي الرجال

إن هذه النكبة علمتنا أن علينا أن نكون رجالًا، وأن نعد للموقف عدته، وأن نحفظ عهد الله، وأن نسير أمورنا على منهج: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فالشعر خالد، والأدب إذا وجه بهذه الوجهة الصحيحة أصبح أدبًا رائدًا، أمَا تعرف أن الجاهلي يتحول من بخيل إلى كريم بسبب أبيات؟

يقولون عن المحلَّق إنه كان أبخل العرب، عنده ثمان بنات نشبن في حلقه لم يتزوجن؛ لأن العرب تعفو عن كل شيء إلا عن بخل البخيل، كُن عند العرب الجاهليين ما كنت: كن مجرمًا، كن سكيرًا، خمارًا، مجرمًا، ضائعًا؛ لكن لا تكن بخيلًا! فـ المحلق لم يتقدم إليه رجل يخطب بناته، فهن ثمان، فذهب فشاور امرأته: ما رأيكِ في هؤلاء الثمان البنات؟

قالت: اذهب إلى الأعشى، شاعر العرب وضيفه وأعطه هدية علَّه يمدحك، فيسري مديحه في العرب فيتزوجون بناتك، فذهب فاستدعى الأعشى، وضيفه وذبح له ناقة، وكساه جلبابًا، وأعطاه دنانير، وخرج الأعشى ولما ركب الناقة طَرِب وقال:

لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ إلى ضوء نارٍ باليفاع تحرق

تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق

وذهبت هذه الأبيات كالسحر وكالماء وكالضياء حتى بلغت آذان العرب، فقالوا: فما أتى شهرٌ إلا وقد تزوجن بناته جميعًا، الأدب الذي يحول أفكار الناس وأنظارهم.

أبو نعامة قطري بن الفجاءة خارجي حضر المعركة، ولما رأى القوم كادوا أن يفروا تماسك، وقال وهو في المعركة، وأحسنُ الشعر ما كان وقت المعمعات:

أقول لها وقد طارت شعاعًا من الأبطال ويحكِ لن تراعي

فإنكِ لو سألتِ بقاء يوم على الأجل الذي لكِ لم تطاعِ

فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاعِ

إلى آخر ما قال، ثم قُتِل في المعركة، لكن قُتِلَ شريفًا، فإن قتل المرء وهو مقدمٌ صابرٌ محتسبٌ على مبادئه أحسن من أن يؤخذ وهو فارٌ هارب يترك حذاءه وأهله وعرضه، وهذا هو العار.

يقف حسين بن الحمام الجاهلي في المعركة ويقول:

وليس على الأعقاب تدمى كُلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

يقول: أنا لا أموت إلا مقبلًا، وهذه شارة الإيمان التي علمها الله أولياءه.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ٣٢٨ · الصفحة ٣٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ٣٢٨ · ص ٣٠