تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تخلف كعب بن مالك

أما صاحبنا هذه الليلة فهو: كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، الشاعر المشهور، فلم يكن له حظ لأن القضاء الكوني والقدر كتب عليه ألاَّ يرافق الناس، والعبد يبحث ويكتسب ويتسبب لكن ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥].

يقول كعب: والله ما كنت أيسر منها في غزوة من الغزوات، ووالله ما كنت أريح نفسًا من تلك الأيام، قال: ولم تفتني غزوة من الغزوات إلا غزوة بدر، فإنها فاتتني؛ لأن النبي ﷺ لم يتهيأ لها، وإنما خرج على عجالة، يريد مبادرة كفار مكة، وعذر من تخلف عليه الصلاة والسلام عن غزوة بدر، أما غزوة تبوك فلم يعذر أحدًا عليه الصلاة والسلام؛ لأن الإعلان كان من قبل شهر، والخبر سرى في الجزيرة العربية، والجيش ما خفي أمره على الناس.

قال: شهدت بيعة العقبة، وهي في نفسي أرفع من غزوة بدر، ولو كانت بدر أذكر في الناس.

قال فخرج ﷺ بالجيش: قال: وتلبثت قلت: أتهيأ اليوم، أتهيأ غدًا، أتهيأ بعد غدٍ، حتى تفارط الغزو، وخرج الناس بجيشهم، فلما أصبحوا على مسيرة ثلاثة أيام؛ أردت أن أتهيأ ودخلت على زَوْجَتَّي -وكان له زوجتان- وقد فرشتا لي في العريشين، وهما في المزرعة، مزرعة متدلية الأغصان من الفواكه والرطب والظلال والماء البارد، والرسول ﷺ في الصحراء.

ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد بنا ولا أن تسروا كاشحًا فينا

ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع

وهل من الحب أن تترك خليلك في الرمضاء وأنت في الظلال الوارفة؟

قال: فوقفت حزينًا على الباب، ثم عدت لأتجهز، فتفارط الغزو ولم أتمكن من اللحاق بهم -حكمة الله وقدرته سبحانه وتعالى- فلم يذكرني ﷺ حتى اقترب من تبوك.

ولما اقترب ﷺ نزل هناك في تبوك، وأخذ يتفقد أصحابه، ولم يكن هناك ديوان -لم تكن الأسماء مسجلة- وإنما يعرف رسول ﷺ وجوه الناس والمهاجرين والأنصار، ومن هم من طلبة العلم، ومن المجاهدين الأخيار والأبرار، الذين عرّفوا بأنفسهم في الصفوف الأولى؛ لأن بعض الناس يعرفه الناس بمناقبه في الإسلام، بصلاته بصيامه، بصدقه مع الله، أما بعض الناس لا يذكر لا في الدنيا ولا في الآخرة.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ١١٧ · الصفحة ٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ١١٧ · ص ٣