2. المسجد لم يبن على قبره - بل هو الذي بناه - في حياته.
ويظهر والله أعلم أن الوليد إنما جعل حد المسجد من الجهة الشرقية حجرة عائشة , فالحجرة من الجهة الشرقية ملاصقة للمسجد لا داخلة فيه , وأما الجهة الشمالية فوسع من خلفها , فصار القبر من تلك الجهة في قبلة المصلي , ولذا جعلوا في جهته الشمالية جداران مسنمان _على شكل مثلث _ وذلك حتى يكون القبر بعيداً عن قبلة المصلي في تلك الجهة , وأحاطوه أيضاً بجدار من قبل الروضة , أخذوا منها ما يقارب المترين كما ذكر بعضهم.
فصورة القبر في تلك الحال أنه داخل الحجرة , والحجرة مغلقة تماماً بثلاثة جدران , وكانت الحجرة ملاصقة للمسجد لا داخلة فيه , إلا من الجهة الشمالية. وفي هذا يقول ابن القيم في النونية:
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثناً من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجائه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
فلما جاء المتصوفة في الدولة العثمانية , وسعوا المسجد من الجهة الشرقية بعد الحجرة , فصار القبر داخل المسجد تماماً , وهو فعل لا يحمد البتة.
ولذا لما جاءت الدولة السعودية منعت من الصلاة في تلك البقعة الشرقية بعد حجرة عائشة , ولما كانت التوسعة الأخيرة للمسجد لم يوسعوا من الجهة الشرقية من جهة القبر , وإنما رجعوا كثيراً كما هو ملاحظ الآن , وهذا من مناقبها حرسها الله بالتوحيد.
وحبذا لو ألغيت تلك البقعة الشرقية التي خلف القبر , وعادت الحجرة ملاصقة للمسجد , والله المستعان.
مسألة: القبة الموجودة على قبر النبي - ليست دليلاً على مشروعية هذا الفعل , لأن هذه القبة ليست من وضع الأخيار المقتدى بهم , وليست من وضع القرون الفاضلة , بل كما قال تعالى في قصة أصحاب الكهف (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً).
وقد ذكر الشيخ صديق حسن خان رحمه الله في كتابه (الدين الخالص) أن أول من بنى القبة على قبره - بعض ملوك مصر المتأخرين , وهو قلاوون الصالحي , المعروف بالملك المنصور , في عام 678 هـ.
وأهل العلم عبر القرون إنما سكتوا عليها من باب عدم القدرة , ومن باب درأ المفاسد.
قال الصنعاني رحمه الله: فإن قلت: هذا قبر رسول الله قد عمرت عليه قبة عظيمة، أنفقت فيها الأموال. قلت: هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، فإن هذه القبة ليس بناؤها منه، ولا من الصحابة، ولا من تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا من علماء أمته , وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره -، من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي , المعروف بالملك المنصور في سنة 678 هـ.
وقفات مع أدلة الباب
فِي اَلصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنه - ا: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اَللَّهِ - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ اَلْحَبَشَةِ , وَمَا فِيهَا مِنْ اَلصُّوَرِ , فَقَالَ: ((أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ ...... الحديث