﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ [الشورى: 20] بحمده وسعيه ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: 20] بهدايتنا، وتوفيق مزيد طاعتنا، وصفاء الأحوال في المعارف بعنايتنا اليوم، ونزيده في الآخرة قربة ومكانة ورفعة في الدرجات، وشفاعة الأصدقاء والقرابات، ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ [الشورى: 20] مكتفياً به ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20]؛ أي: من آفات حب الدنيا من عمى القلب وبكمه وصمه وسفهه، والحجب التي يتولد منها من الأخلاق الذميمة النفسانية، والأوصاف الردية الشيطانية السبعية، والبهيمية الحيوانية، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]؛ أي: في الأوصاف الروحانية والأخلاق الربانية.
ثم أخبر عن جفاء الشركاء بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] يشير إلى كفار النفوس أنهم شرعوا عند استيلائهم من الدين بالهوى للأرواح والقلوب ما لم يرض به الله من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة، ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ [الشورى: 21]؛ يعني: ما سبق من الحكم بالحكمة في تأخير تكاليف الشرع لقمع الطبع تربية لقالب بحمل أعباء الشريعة، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 21] بالتكاليف والمجاهدات قبل البلوغ، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 21]؛ يعني: في ظلم نفسه بمتابعة الهوى، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 21] بعد البلوغ في العظام من مألوفات الطبيعة بالأحكام الشرعية، ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ﴾ [الشورى: 22] بمتابعة الهوى في الأوصاف الذميمة، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: 22]؛ يعني: عذاب ما كسبوا ما في الدنيا بكثرة الرياضات وأنواع المجاهدات؛ لتزكية النفوس من أوصافها وتحليتها بأضدادها، وأما في الآخرة بورودها النار لتقنيتها، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: 22] استعملوا تكاليف الشرع؛ لقمع الطبع، وكسر الهوى، وتزكية النفس، وتصفية القلب، وتحلية الروح، ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى: 22] في الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنة، ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 22]؛ أي: مراتبهم في القربات والوصلات، والمكاشفات والمشاهدات، ونيل الدرجات على قدر همتهم ووفق مشيئتهم، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: 22] في حق الأمة، والنبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بالفضل العظيم كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113].