تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقواه، ويبصره بما في الرضى بقضائه وقدره بما يفسح في الأجل وتحمد عقباه، حتى لا ينصرف من يرد عليه إلا ولا شيء أحب إليه من التسليم.

وقال بعضهم: كنت ألتمس مرضاته من جميع وجوهها، فحن إلي غاية الحنين، ومكنني من القرب إليه غاية التمكين، ولقد استرضيته يوماً فرضي عني، وانبسط وانشرح إلي، وتهلل وجهه المبارك وانطلق بالحكمة والرحمة لسانه، فقال لي: حبيبي أنت خدمتني لوجه الله تعالى وأحببتني من أجله، أشهد الله وملائكته ورسله وإياك، أنه إن قيل لي في القيامة يا سعيد، قم فانطلق للجنة مغفوراً لك أن أقول: يا رب عبدك أحبه فلان وخدمه وأنس إليه من أجلك، وقد ضمنت له إدلالاً على فضلك وجودك ألا أدخل دار كرامتك إلا صحبته، ثم قال عن قليل: أبشر نرجو الله سبحانه يا أخي أنه قبل ذلك، وشفعني فيك، فوالله ما كان بعد ذلك إلا زمان يسير، حتى مكن الله الخير من قلبي، وصرف عنه الشر جملة، وأنا إلى الآن على تلك الحال وأرجو الله أن أصير إلى ما وعدني الشيخ رضي الله عنه.

وكان من أهل الزهد والتقشف، حدثني بعض ثقات المكناسيين أنه كان جالساً يوماً مع الشيخ رحمه الله، فدخل عليه رجل وبيده تفاحة، أو قال إجاصة، فنظر إليها الشيخ وقال: سبحان الله، لي نحو العشرين سنة ما أكلت ذلك أو مثله. وكان كثير الاجتهاد في قضاء حوائج المسلمين: فقل من يأتيه في شيء إلا ويقضيه الله سبحانه على يديه، وكان له حظ وافر من المعرفة بتوحيد الله عز وجل.

وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن دعامة البيت أساسه، ودعامة الدين المعرفة بالله عز وجل واليقين والعقل القامع.

وقال الشيخ أبو علي الدقاق: المعرفة على لسان العلماء هي العلم، فكل علم معرفة، وكل معرفة علم، وكل عالم بالله عز وجل عارف، وعند أهل الطريقة الصوفية: المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته، ثم صدق الله في معاملاته، ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم طال بالباب وقوفه، ودام بالقلب اعتكافه فحظي من الله بجميل إقباله، وصدق الله في جميع أحواله، وانقطعت عنه هواجس نفسه ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره، فإذا صار من الخلق أجنبياً ومن آفات نفسه برياً، ومن المساكنات والملاحظات تقياً، ودامت في السر مع الله تعالى مناجاته، وحق في كل لحظة إليه رجوعه،

السلسل العذب والمنهل الأحلى · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السلسل العذب والمنهل الأحلىص ٢٢