تتقي الله ولا تقل إلا ما تعلم صدقه وتمحو اللوح، فعلمت أن الله سبحانه أطلعه عليه وأنه رجل منور البصيرة، فبادرت وقبلت يده واستغفرت الله سبحانه.
وكان رجل بإزاء الشيخ يوماً في مجلس الذكر والموعظة، فسمع الشيخ كلمة من الذكر نالت منه، فصاح - وكانت عادته - فأنكر ذلك الرجل عليه في نفسه، قال: فالتفت إلى الشيخ وقال لي: يا أخي ألا ترى بعضكم إذا ضاع له شيء نفيس يعز عليه فقده ثم وجده فجأة كيف يصيح ويزعق، قلت: نعم يا سيدي، قال: فكذلك من لم يكن له مطلب إلا الحق متى وثق رجاؤه صاح وزعق. وكان حافظاً للقرآن ولكثير من الحديث، ذاكراً لفقه العبادات، باحثاً على مسائله كل البحث، آخذاً في ذلك كل مأخذ، مستفتياً أهل العلم فيما يعرض له ما لم يكن حصله، وخصوصاً الفقيه السطي، فعندما تعن له مسألة يبادر إلى منزله ويرده عليه ليلاً كان أو نهاراً، فكان أصحابه يتعجبون من بحث الحلفاوي، وصبر السطي لبلوغهم الغاية القصوى، إلى ما كان عليه من قبض القدم من اجتماعات العرس وحضور الجنائز. والتعلق بالجود باباً من أبواب الرحمة، فقد أنزل الله الحمد به في قرآنه المجيد تشريفاً لهذه الأمة، فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل.
وقد قال العلماء رضوان الله عليهم: إن الجود هو السخاء، لأن الله تعالى يوصف بالجود ولا يوصف بالسخاء، كما يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل، وحقيقة الجود ألا يصعب عليه بذل. والسخاء عند المتصوفين أول الرتب، ثم الجود بعده، ثم الإيثار، فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر وأبقى الأقل كان صاحب جود، ومن آثر غيره على نفسه كان صاحب إيثار. والسخاء بذل لا تتبعه علاقة، والجود سخاء صدقت فيه اللهجة، والتذت بموقعه نفس المعطى، والإيثار قضاء أوجب إمضاءه حسن اليقين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن آدم! مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما تركته فللوارث.