سبحانه إلى موسى عليه السلام، لا يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار، وصليتم حتى تكونوا كالحنايا، ما أغنى ذلك عنكم شيئاً إلا بورع صادق.
وقال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام.
وقيل: ملاك الدين الورع، وآفاته الطمع.
وقيل: من در في الدين ورعه ونظره، جل في القيامة قدره وخطره.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رضي الله عنه: الورع ترك الشبهات.
وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل.
ولقد سمعت الشيخ رحمه الله ورضي عنه في جماعة من أصحابه غير مرة، يقول لشدة محافظته على توخي الورع: أنا أستغفر الله سبحانه إلى الآن من مسألتين اتفقتا لي وأنا ببلاد الأندلس: وذلك أني كنت يوماً راكباً حماراً ماراً به على طريق بين زرعين عن يمين الطريق وشماله، وكنت أتخوف هجمة الحمار على شيء من ذلك الزرع، فغلبني مرة وأخذ شيئاً يسيراً، وكنت لا أعلم صاحبه فأستحل منه، فأنا إلي الآن أستغفر الله لصاحبه ولي متى ما ذكرت ذلك. ويوماً آخر كنت ماشياً في وقت الهاجرة على الطريق وقد أجهدني العطش ولا ماء هنالك، فلقيت شاباً وبيده كوز ماء فاستسقيته فسقاني، فلفرط العطش نسيت سؤاله حتى شربت، ثم سألته لمن الكوز، فأخبرني أنه لغيره، ولم يمكني لقاء صاحبه، فأنا إلي الآن أستغفر الله له ولي.
وأما تحفظه في منطقه فكنت حاضراً عشية يوم في داره وبعض أصحابه، فأمر رجلاً منهم أن يطلع على السطح لينظر هل غابت الشمس أم لا، فاطلع ثم قال له: يا سيدي بقي شيء لا شيء، فرأيته قد تغير وجهه وكره ذلك، ثم قال له: يا صاحب - وكانت وصاياه: لا يكون كلام أحدكم عبثاً ولا يؤدي إلى كذب - فقال ذلك وألحق به: إما أن تقول بقي شيء أو تقول غابت. وكان رضي الله عنه بعيداً من الهزل في دقيق الأمر وجليله، فلقد حدثني غير واحد من إخوانه وأصحابه، أنهم حضروا يوماً وقد ورد عليه وارد فأدخله داره وقال له: جز، وأشار إلى صدر المجلس، فقال له: يا سيدي الموضع موضعنا؟ فقال له: يا