((على أن الموضوع الذي يجب التنبه له هو التفريق بين متكلمي الأشاعرة كالرازي والآمدي والشهرستاني والبغدادي والإيجي ونحوهم، وبين من تأثر بمذهبهم عن حسن نية واجتهاد، أو متابعة خاطئة، أو جهل بعلم الكلام، أو لاعتقادِهِ أنه لا تعارض بين مآخذهم وبين النصوص.
ومن هذا القسم أكثر الأفاضل الذين يحتج بذكرهم الصابوني وغيره وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر- رحمه الله- .
ولست أشكُّ أن الموضوعَ يحتاج لبسط وإيضاح ومع هذا فإنني أقدم للقراء لمحةً موجزة عن موقف ابن حجر من الأشاعرة:
من المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضَبَطَ المذهبَ وَقَعّدَ أصولَهُ هو الفخر الرازي (606هـ) ثم خلفه الآمدي (631هـ) والأرموي (655هـ) فنشرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب.
وَنَقْدُ فِكْرِ هؤلاء الثلاثةِ هو الموضوعُ الرئيسُ في كتابِ دَرْء التعارض لشيخ الإسلام.
وأعقبهم الإيجي صاحب المواقف- الذي كان معاصراً لشيخ الإسلام ابن تيمية- فألف "المواقف" الذي هو تقنينٌ وتنظيمٌ لفكر الرازي ومدرسته، وهذا الكتاب هو عمدةُ المذهب قديماً وحديثاً.
وقد ترجم الحافظ الذهبي - رحمه الله - في الميزان وغيره للرازي والآمدي بما هم أهلُهُ، ثم جاء ابن السبكي- ذلك الأشعري المتعصب – فتعقبه وعنف عليه ظلماً.
ثم جاء ابن حجر – رحمه الله- فألف لسان الميزان فترجم لهما بطبيعة الحال- ناقلاً كلام ابن السبكي ونقده للذهبي- ولم يكن يخفَىا عليه مكانتهما وإمامتهما في المذهب كما ذكر طرفاً من شنائع الأرموي ضمن ترجمة الرازي.
فماذا كان موقف ابن حجر؟ لأن موقفه هو الذي يحدد انتماءَهُ لفكر هؤلاء القوم أو عدمه؟
إن الذي يقرأ ترجمتيهما في اللسان لا يمكن أن يقول: إن ابن حجر على مذهبهما أبداً، كيف وقد أورد نقولاً كثيرة مُوَثَّقَةً عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أي مسلم فضلاً عمن هو في عِلْمِ الحافظ وفضلِهِ.