وقد فصل الإمام ابن القيم في ذلك تفصيلاً فريداً فقال: ((فلا يسبق إلى فهم أحد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفرس الذي ركبه "إن وجدناه لبحرًا" الماء الكثير المستبحر فإنّ في "وجدناه" ضميراً يعود على الفرس يمنع أن يراد به الماء الكثير ولا يسبق إلى فهم أحد من قوله- صلى الله عليه وسلم -: "إن خالداً سيف سله الله على المشركين" أن خالداً حديدة طويلة لها شفرتان بل السابق إلى الأفهام من هذا التركيب نظير السابق من قولهم يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، ونظير السابق إلى الفهم من قوله أنه لا إله إلا الله بعد ما علوته بالسيف، فكيف كان هذه حقيقة وذاك مجازاً؟؟ والسبق إلى الفهم في الموضعين واحد، كذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: في حمزةٌ إنه أسد الله وأسد رسوله وقول أبي بكر في أبي قتادة لا يَعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سَلَبه لم يسبق إلى فهمه أنه الحيوان الذي يمشي على أربع بل يسبق إلى فهمه معناه، كما يسبق من قوله أن ((ثلاثة حفروا زُبيّة أسد فوقعوا فيها فقتلهم الأسد)) معناه ولا يفهم أحد من قوله تعالى: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾[سورة النحل، آية:112]، أن الجوع والخوف طعام يؤكل بالفم بل هذا التركيب لهذا المفعول مع هذا الفعل حقيقة في معناه كالتركيب في قوله: ﴿أطعمهم من جوع﴾[سورة قريش، آية:4]، ونسبة هذا إلى معناه المراد به كنسبة الآخر إلى معناه، وَفَهْمُ أحد المعنيين من هذا العقد والتركيب كفهم المعنى الآخر، والسبق كالسبق، والتجريد عن كل قرينة ممتنع، وكذلك من سمع قوله ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه))، لم يسبق إلى فهمه من هذا اللفظ معناه الذي سيق له وقصد به وأن تقبيل الحجر الأسود ومصافحته منزل منزلة تقبيل يمين الله ومصافحته، فهذا حقيقة هذا اللفظ فإن المتبادر السابق إلى الفهم منه لا يفهم
الرد الشامل · الصفحة ٢٣٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الرد الشاملص ٢٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي