ومنهم من يقول: ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه، بخلاف ما لا يطاق للاشتغال بضده، فإنه يجوز تكليفه. وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، لكنْ كونُهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق لكونه تاركاً له مشتغلاً بضده – بدعة في الشرع واللغة. فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! وهم التزموا هذا، لقولهم: إن الطاقة- التي هي الاستطاعة وهي القدرة- لا تكون إلا مع الفعل! فقالوا: كل مَنْ لم يفعل فعلاً فإنه لا يطيقه ! وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة العقلاء(1).
وقال شارح الطحاوية أيضاً:
وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف مالا يطاق جائز عقلاً(2)، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فكان مأموراً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن. وهذا تكليف بالجمع بين الضدين وهو محال.
(1) ووجه ذلك أنهم لما جعلوا الاستطاعة مقارنةً للفعل، ونفوا أن تكون هناك استطاعة قبل الفعل، وجعلوا المشتغل بالشيء مستطيعاً له وَغَيْرَ مستطيعٍ لغيره، فإذا كلف بغيره في وقت انشغاله بالشيء، فقد كلف ما لا استطاعة له عليه، فيكون من باب مالا يطاق، أما عند أهل السنة: فهو في حالة انشغاله بالشيء له استطاعته مقارنة له، وفي نفس الوقت يملك آلاتِ وأسبابَ الفعل الآخر، والتكليف إنما يقع على الاستطاعة التي قبل الفعل لا التي هي مقارنةٌ للفعل فإذا كلف بغير ما هو مشتغلٌ به كان تكليفُهُ بما يطاق، وبما في وُسْعِهِ، وَضِمْنَ حدودِ قدرته، فهؤلاء جعلوا التكليف على القدرة المقارنة، مع أنها ليست شرطاً في التكليف، ثم كلامهم فيه غفلة عن الإرادة الجازمة، والتكليف لا يتعلق بالاستطاعة التي تقارنها الإرادةُ كما تقدم بيانه والله أعلم. انظر: تقريب وترتيب الطحاوية (2/1134، 1135).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (3/318-326).