وليس هذا تعمداً منه لنصر الباطل؛ بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه. فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة قدح به، فإن من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له، فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين ومن الناس من يسيء به الظن وهو أنه يعتمد الكلام الباطل، وليس كذلك، بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله: يقرر هنا شيئاً ثم ينقضه في موضع آخر، لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة، يشتمل على كلام باطل – كلام هؤلاء وكلام هؤلاء:- فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر بما ينقض به.
ولهذا اعترف في آخر عمره فقال: لقد تأملت الطرقَ الكلاميةَ والمناهجَ الفلسفيةَ فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق ((طريقة القرآن)) اقرأ في الإثبات: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾[سورة طه، آية: 5]، ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾[سورة فاطر، آية: 10]، واقرأ في النفي: ﴿ليس كمثله شيء﴾[سورة الشورى، آية: 11]، ﴿ولا يحيطون به علماً﴾[سورة طه، آية: 110]، ومن جرب مثل تجربتي عرف معرفتي.
والآمدي تَغْلِبُ عليه الحيرةُ والوقفُ في عامة الأصول الكبار، حتى أنه أورد على نفسه سؤلاً في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جواباً، وبنى إثبات الصانع على ذلك؛ فلا يقرر في كتبه لا إثبات الصانع ولا حدوث العالم، ولا وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئاً من الأصول التي يحتاج إلى معرفتها.