تَأَمَّلْ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: («فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ») أَيْ: سَنَةً كَمَا فِي نُسْخَةٍ («جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوْلَمَ يَبْقَ»): بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْقَافِ (مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟!): بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الْمُنْصَبِّ عَلَى نَفْيِ الْبَقَاءِ فَيُفِيدُ إِثْبَاتَهُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَاوِ لِصَدَارَتِهَا، وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ انْقَضَى عُمُرُهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ، وَبَيْنَ بَقِيَ مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُونَ؟ قُلْتُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ تَوْكِيدٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: لِأَنَّ غَيْرَهُ يَحْتَمِلُ الْأَكْثَرَ، وَهُوَ نَصٌّ فِي بَقَاءِ الْأَرْبَعِينَ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] مَعَ زِيَادَةِ الْإِفَادَةِ فِي الْآيَةِ مِنَ الْأَقْرَبِيَّةِ إِلَى الضَّبْطِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَثْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى جَوَازِ إِلْغَاءِ الْكَسْرِ كَمَا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ (قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا) أَيْ: أَتَقُولُ ذَلِكَ، وَلَمْ تُعْطِهَا أَيِ: الْأَرْبَعِينَ (ابْنَكَ): مَفْعُولٌ ثَانٍ (دَاوُدَ؟!)، بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَجَحَدَ آدَمُ) أَيْ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ حَالَةَ مَجِيءِ مَلَكِ الْمَوْتِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ): لِأَنَّ الْوَلَدَ سِرُّ أَبِيهِ (وَنَسِيَ آدَمُ): إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَحْدَ كَانَ نِسْيَانًا أَيْضًا إِذْ لَا يَجُوزُ جَحْدُهُ عِنَادًا (وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ) قِيلَ: نَسِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الشَّجَرَةِ، أَوِ الشَّجَرَةِ بِعَيْنِهَا فَأَكَلَ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَكَانَ النَّهْيُ عَنِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ): وَلِذَا قِيلَ: أَوَّلُ النَّاسِ أَوَّلُ النَّاسِي (وَخَطَأَ): بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ: فِي اجْتِهَادٍ مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ، وَالتَّخْصِيصِ، (وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ): وَالْأَظْهَرُ أَنَّ خَطَأَ بِمَعْنَى عَصَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: 121] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ فِيهِ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ، وَابْنُ آدَمَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَابْنُ آدَمَ مَجْبُولٌ مَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى الْجَحْدِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْخَطَأِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ». (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). (1)
و (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ»): بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ (فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ (فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ)، أَيْ: بِتَيْسِيرِهِ وَتَوْفِيقِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ أَوْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَخْصِيصُ الْحَمْدِ بِالذِّكْرِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ قُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ وَنِعْمَتِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ ; لِأَنَّ الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ مِنَ الْفَضْلِ وَالْإِفْضَالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى أَبْدَعُهُ إِبْدَاعًا جَمِيلًا وَأَنْشَأَهُ خَلْقًا سَوِيًّا صَحِيحًا فَعَطَسَ، فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِصِحَّةِ الْمِزَاجِ، فَوَجَبَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ وُقُوفَهُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِفْضَالِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ. قُلْتُ: وَمِنْ جُمْلَةِ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ حُكْمُهُ وَأَمْرُهُ
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 192)