قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ.
قَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ اسْكُنِ الْجَنَّةَ، فَسَكَنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجِلْتَ، قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ مِنْهَا سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيتْ ذُرِّيَّتُهُ، فَيَوْمَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ» (1)
المعنى العام:
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: («لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ»): تَقَدَّمَ (فَسَقَطَ) أَيْ: خَرَجَ (مِنْ ظَهْرِهِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَنْ ظَهْرِهِ أَيْ: بِوَاسِطَةٍ وَغَيْرِهَا (كُلُّ نَسَمَةٍ) أَيْ: ذِي رُوحٍ، وَقِيلَ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّسِيمِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي " الْقَامُوسِ " النَّسَمُ مُحَرَّكَةٌ؛ نَفْسُ الرُّوحِ كَالنَّسَمَةِ مُحَرَّكَةٌ، وَنَفْسُ الرِّيحِ إِذْ كَانَ ضَعِيفًا كَالنَّسِيمِ (هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ): الْجُمْلَةُ صِفَةُ نَسَمَةٍ ذَكَرَهَا لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَوْلُهُ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الذُّرِّيَّةِ كَانَ حَقِيقِيًّا («وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ»)، أَيْ: مِنْهُمْ عَلَى نُسْخَةٍ، وَالْأَصَحُّ بَيْنَ عَيْنَيْ ثَانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ فَيَكُونُ ظَرْفًا لَهُ (وَبِيصًا) أَيْ: بَرِيقًا وَلَمَعَانًا (مِنْ نُورٍ): وَفِي ذِكْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: (بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ) إِيذَانٌ بِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مِقْدَارِ الذَّرِّ، («ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ») تَعَالَى: هُمْ («ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَ»): بِغَيْرِ الْفَاءِ (أَيْ رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ): تَعَالَى (هُوَ دَاوُدُ): قِيلَ: تَخْصِيصُ التَّعَجُّبِ مِنْ وَبِيصِ دَاوُدَ إِظْهَارٌ لِكَرَامَتِهِ، وَمَدْحٌ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ، بَلْ مَزَايَا لَيْسَتْ فِي الْفَاضِلِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُ نِسْبَةِ الْخِلَافَةِ (فَقَالَ: رَبِّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْ رَبِّ (كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟): بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَالْمِيمِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ، وَكَمْ مَفْعُولٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَقُدِّمَ لِمَا لَهُ الصَّدْرُ أَيْ: كَمْ سَنَةً جَعَلْتَ عُمُرَهُ (قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ، وَمِنْ عُمُرِي صِفَةُ أَرْبَعِينَ قُدِّمَتْ فَعَادَتْ حَالًا، وَقَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ سَنَةً) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114] قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: زَادَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا كَقَوْلِهِ: زَادَ الْمَاءُ، وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: زِدْتُهُ دِرْهَمًا، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا لِوَاحِدٍ كَزَادَ الْمَالُ دِرْهَمًا. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي التَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ لِاحْتِمَالِ التَّمْيِيزِ
(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (14/ 41) (6167) صحيح