تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحان مقلبَ القلوبِ والأبصار، ما الذي غير هذا ؟ ما الذي بدل أحوالَه ؟ ما الذي غيرَ أحوالَه ؟ إنه اللهُ جل وعلا.

ولكن كيف السبب؟ وما هو السبيل؟ وأي طريقة وصلت إلى قلبه؟

قدر اللهُ على الكثيرين منهم أن يقفوا مشهداً ماثلاً حقيقياً لا محيصَ ولا مناصَ عنه.

قدر اللهُ للكثيرين منهم أن يقفوا أمام حقيقةِ الموت وهم يشهدون بأمهات أعينهم، وأمهات أبصارِهم، يشهدون صديقاً، يشهدون حبيباً، يشهدون قريباً.

ولا ينفعُ طبيب ولا يجدي نحيبُ.

حدثني أحدهم قال: كنتُ مسافراً للدراسةِ إلى الولايات المتحدة الأمريكيةِ، وكان شأني شأنُ كثيرٍ من الشبابِ الذين يقضون الليل في الملهى، والمساء في المرقص والعبث الذي تعنيه كلمةُ العبثِ بأبعادِها ومعانيها.

وذات يوم وكنا آيبين، كنا راجعين من ملهانا وعبثنا وتقدم بعضنا إلى السكن، أما واحد منا فلقد استبطأناه وتأخرناه.

ثم قلنا لعله يأتي بعد سويعة أو بعد ساعة أو بعد هنيهة، ثم لم نزل ننتظر لكنه ما آتى، فنزلنا نبحث يميناً أو شمالاً، وخاتمة المطاف قلنا: لابد أن يكون في الكراج، أو في الموقف الذي يجعل للسيارة تحت البناء.

فلما دخلنا ذلك البناء، دخلنا موقف السيارة، ووجدنا السيارة لا زال محركها يدور وصاحبنا قد انخنعت رقبته على إطار السيارة، وهو في مكانه والموسيقى الهادئةُ لا زالت تسمعُ منذ آخرَ الليلِ، حتى اللحظة التي فتحنا فيها باب السيارة وهي تدندن وتطنطن.

فصحنا نادينا تكلمنا: يا أخانا يا صاحبَنا، فإذا به قد انقطعَ عن الدنيا منذُ اللحظةِ التي أوقفت سيارتَه في ذلك الكراج.

هذه نهايةُ أشعلت في قلوبِ الكثير من أولئك الشبابِ يقظةً وغيرَةً وعودة وإنابة وتوبةُ وخضوعاً إلى الله فعادوا إلى اللهِ تائبين ما شربوا بعدها، ولا فعلوا بعدها بل أنابوا واستكانوا لربهم.

أسأل اللهَ أن يثبتنا وإياهم، وأسأل الله أن يعامل صاحبهم بعفوه وأن يتجاوز عنا وعنه.

المحاضرات المفرغة · الصفحة ٤١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضرات المفرغةص ٤١٥