تفعلون) والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه وأنظفه ، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها ، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها ، وتأبى النتن والروائح الكريهة ، تأبى القذارة ، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية ، وقف على باب الخلية بواب منها ، ومعه أعوان كثر ، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة ، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول وعزلها إلى أن يدخل النحل كله ، ثم يرجع إلى الممنوعات المعزولات فيتبين ويتثبت ، ويتفقدها مرة أخرى ، فمن وجدها وقعت على شيء نجس أو منتن ، قدها وقطعها نصفين ومن كانت جنايتها خفيفة ، بها رائحة وليس عليها قَذَر ، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول ، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية ، فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها ، لا تضل عنها تسيح سهلاً وجبلاً خماصاً ، فتأكل من على رؤوس الأشجار والأزهار ، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطاناً ، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية ، أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج ، بل لا يخرج إلا نادراً ، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه ليطوف المروج والبساتين والرياض ساعة بالنهار ثم يعود إلى خليته ، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب وغضبه يعرفه أصحاب النحل ، ثم يخرج من الخلية ، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية ، يذهب حتى يحط رحاله على رؤوس الشجر المرتفع ، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود ، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته ، فيأخذ عصاً طويلة ويضع عليها حزمة من نبات طيب الرائحة ، ويدنيه من هذا الكبير لها ، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى ، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة ، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية ، فينزل ويدخلها مع جنوده ، ثم يتبعه جميع النحل
المحاضرات المفرغة · الصفحة ٢٠٢٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المحاضرات المفرغةص ٢٠٢٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي