تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

, وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجَلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي , بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ ; لِإِيجَادِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ . وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ , فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; فَإِنَّهُ قَالَ , فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ , إذَا رَأَى صُوَرًا عَلَى السِّتْرِ , لَمْ يَكُنْ رَآهَا حِينَ دَخَلَ ؟ قَالَ : هُوَ أَسْهَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِدَارِ . قِيلَ : فَإِنْ لَمْ يَرَهُ إلَّا عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ , أَيَخْرُجُ ؟ فَقَالَ : لَا تُضَيِّقْ عَلَيْنَا , وَلَكِنْ إذَا رَأَى هَذَا وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ . يَعْنِي لَا يَخْرُجُ . وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا , وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً . وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إذَا كَانَتْ الصُّوَرُ عَلَى السُّتُورِ , أَوْ مَا لَيْسَ بِمَوْطُوءٍ , لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ , وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا , لَمَا جَازَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ الْوَاجِبَةِ مِنْ أَجْلِهِ . وَلَنَا مَا رُوِيَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْكَعْبَةَ , فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ , فَقَالَ : قَاتَلَهُمْ اللَّهُ , لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ ﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ , وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ رضي الله عنه عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ : أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ , لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلْمَبِيتِ بِهَا , وَالْمَارَّةُ بِدَوَابِّهِمْ , وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ فِي " فُتُوحِ الشَّامِ " , أَنَّ النَّصَارَى صَنَعُوا لَعُمَرَ رضي الله عنه , حِينَ قَدِمَ الشَّامَ , طَعَامًا , فَدَعَوْهُ , فَقَالَ : أَيْنَ هُوَ ؟ قَالُوا : فِي الْكَنِيسَةِ , فَأَبَى أَنْ يَذْهَبَ , وَقَالَ لَعَلِيٍّ : امْضِ بِالنَّاسِ , فَلِيَتَغَدَّوْا . فَذَهَبَ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِالنَّاسِ , فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ , وَتَغَدَّى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ , وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَنْظُرُ إلَى الصُّوَرِ , وَقَالَ : مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ دَخَلَ فَأَكَلَ , وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى إبَاحَةِ دُخُولِهَا وَفِيهَا الصُّورُ , وَلِأَنَّ دُخُولَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ , فَكَذَلِكَ الْمَنَازِلُ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ , وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُهُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ عَلَيْنَا , كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ , وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسٌ , مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ , وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِفَاعِلِهِ , وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( 6613 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا قَتَلَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ عَمْدًا , فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ , وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ يَعْنِي الْكَافِرَ الْحُرَّ ,(1)

لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ , لِفِقْدَانِ التَّكَافُؤِ بَيْنَهُمَا , وَلِأَنَّهُ لَا يَحُدُّ بِقَذْفِهِ , فَلَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ , كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ , وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ , وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ ; فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ , بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا كَانَ يَسُوقُ حِمَارًا بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ , فَنَخَسَهُ بِهَا فَرَمَاهَا , ثُمَّ أَرَادَ إكْرَاهَهَا عَلَى الزِّنَى , فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالَ مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاهُمْ . فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ . وَرُوِيَ فِي شُرُوطِ عُمَرَ , أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ : أَنْ أَلْحِقْ بِالشُّرُوطِ : مَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا , فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ . وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُنَافِي الْأَمَانَ , وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَكَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ , كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ . وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ; أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ . فَعَلَى هَذَا , عَلَيْهِ قِيمَتُهُ , وَيُؤَدَّبُ بِمَا يَرَاهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ .

( 7686 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَمَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ , بِمُخَالَفَةِ شَيْءٍ مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ , حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ ) (2)

(1) - المغني - (ج 18 / ص 331)

(2) -المغني - (ج 21 / ص 253)

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٦