تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَدِمَ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو الْبَرَاءِ وَهُوَ مُشْرِكٌ. فَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَسَيْنِ وَحُلَّتَيْنِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ».

وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ». «وَأَنَّهُ أَهْدَى مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ إلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْرَ عَجْوَةٍ، وَاسْتَهْدَاهُ أَدَمًا، فَقَبِلَ هَدِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَهْدَى لَهُ الْأُدْمَ».

«وَأَنَّ نَصْرَانِيًّا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَرِيرًا يَتَلَأْلَأُ، فَقَبِلَ هَدِيَّتَهُ». «وَأَنَّ عِيَاضَ بْنَ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيَّ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُ: أَسْلَمْت يَا عِيَاضُ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانِي أَنْ أَقْبَلَ زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ»،أَيْ عَطَايَاهُمْ.

ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ»،أَيْ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ، فَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِمَّنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ إذَا رَدَّ هَدِيَّتَهُ لِيَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ ثُمَّ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ. أَوْ لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْعِوَضِ وَلَا يَرْضَى بِالْمُكَافَأَةِ بِمِثْلِ مَا أَهْدَى. وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةَ الْأَعْرَابِ».وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا أَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ»

وَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ أَهْدَى إلَيْهِ فَرَسَيْنِ قَدْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، فَعَوَّضَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوْقَ هَدِيَّتِهِ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي خُطْبَتِهِ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَهْدُونَ مَا نَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَنَا. ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِالْمُكَافَأَةِ بِالْمِثْلِ».وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ عَامِرٍ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَجَارَ سَبْعِينَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَتَلَهُمْ قَوْمُهُ، وَهُمْ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَفِي هَذَا قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَلِهَذَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَدِيَّتَهُ. (1)

وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)﴾ [الإنسان:8،9].قَال الْحَسَنُ كَانَ

(1) - شرح السير الكبير (ص:96)، المبسوط 10/ 92

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ٩٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ٩٧١