تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لِلْعُذْرِ الظَّاهِرِ، نَعَمْ إنْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ لَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ وَفِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ (وَكَذَا لَا دِيَةَ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِمُقَامِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْإِبَاحَةِ وَسَوَاءٌ عَلِمَ فِي دَارِهِمْ مُسْلِمًا أَمْ لَا، عَيَّنَ شَخْصًا أَمْ لَا، وَالثَّانِي تَجِبُ الدِّيَةُ، لِأَنَّهَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَتَجِبُ جَزْمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:92] فَإِنَّ " مِنْ " بِمَعْنَى " فِي " كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ." (1)

وقال القرطبي:"رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ:" وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ" أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ أُمِرُوا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، أُمِرَ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ إِذْ لَا يُمْكِنُ سِوَاهُ. أَلَا تَرَاهُ كَيْفَ بَيَّنَهَا فِي سُورَةِ" بَرَاءَةٌ" بِقَوْلِهِ:" قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ" [التوبة:123] وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَوَّلًا كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ فَتَعَيَّنَتِ الْبُدَاءَةٌ بِهِمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةً كَانَ الْقِتَالُ لِمَنْ يَلِي مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي حَتَّى تَعُمَّ الدَّعْوَةُ وَتَبْلُغَ الْكَلِمَةُ جَمِيعَ الْآفَاقِ وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْكَفَرَةِ، وَذَلِكَ بَاقٍ مُتَمَادٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مُمْتَدٌّ إِلَى غَايَةٍ هِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ).وقيل: غايته نزول عيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّ نُزُولَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ." (2)

دُخُول الْحَرْبِيِّ دَارَ الإِْسْلاَمِ:

لَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنِ اسْتَأْذَنَ فِي دُخُولِهَا فَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهِ مَصْلَحَةٌ، كَإِبْلاَغِ رِسَالَةٍ، أَوْ سَمَاعِ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حَمْل مِيرَةٍ أَوْ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ، جَازَ الإِْذْنُ لَهُ بِدُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ الْحَرَمَ، وَلاَ يُقِيمُ فِي الْحِجَازِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، لأَِنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي حُكْمِ الإِْقَامَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ

(1) - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 227) والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (32/ 329)

(2) - تفسير القرطبي (2/ 350)

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ٨٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ٨٧٦