تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَال السَّرَخْسِيُّ:" فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ فَلَيْسَتْ بِدَارِ أَحْكَامٍ، وَلَكِنْ دَارُ قَهْرٍ. فَبِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ وَالْمَلِكِ تَخْتَلِفُ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبِتَبَايُنِ الدَّارِ يَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجُوا إِلَيْنَا بِأَمَانٍ، لِأَنَّهُمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَيُجْعَل كُل وَاحِدٍ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ فِي مَنَعَةِ مَلِكِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِأَمَانٍ " (1).

أَمَّا أَهْل الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْل دَارِ الإِسْلاَمِ، وَلِذَا فَهُمْ مُخَالِفُونَ فِي الدَّارِ لِأَهْل الْحَرْبِ.

أَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنَّ دُورَهُمْ قَدْ تَتَّفِقُ وَقَدْ تَخْتَلِفُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ شَارِحًا مَعْنَى اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ:" اخْتِلاَفُهُمَا بِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ أَيِ الْعَسْكَرِ، وَاخْتِلاَفُ الْمَلِكِ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَلِكَيْنِ فِي الْهِنْدِ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ، وَالآْخَرُ فِي التُّرْكِ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ أُخْرَى، وَانْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَسْتَحِل كُلٌّ مِنْهُمْ قِتَال الآْخَرِ. فَهَاتَانِ الدَّارَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَتَنْقَطِعُ بِاخْتِلاَفِهِمَا الْوِرَاثَةُ؛ لِأَنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى الْعِصْمَةِ وَالْوِلاَيَةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ عَلَى أَعْدَائِهِمَا كَانَتِ الدَّارُ وَالْوِرَاثَةُ ثَابِتَةً " (2)

وَدَارُ الإِسْلاَمِ مُخَالِفٌ لِدَارِ الْحَرْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ.

أَنْوَاعُ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ:

عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَدْ تَخْتَلِفُ الدَّارَانِ حَقِيقَةً فَقَطْ، أَوْ حُكْمًا فَقَطْ، أَوْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا: فَاخْتِلاَفُهُمَا حَقِيقَةً فَقَطْ، كَمُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ، فَإِنَّ الدَّارَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةً لَكِنِ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ حُكْمًا. فَهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا.

وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا حُكْمًا فَكَمُسْتَأْمَنٍ وَذِمِّيٍّ فِي دَارِنَا، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَقِيقَةً إِلاَّ أَنَّهُمَا فِي دَارَيْنِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ حُكْمًا، لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ.

وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَكَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِهِمْ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِنَا. وَكَالْحَرْبِيَّيْنِ فِي دَارَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. (3)

(1) - المبسوط للسرخسي 30/ 33.وانظر أيضا حاشية ابن عابدين 5/ 490

(2) - رد المحتار حاشية ابن عابدين على الدر المختار 5/ 489، وشرح السراجية 81

(3) - رد المحتار 5/ 490

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ٩٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ٩٥١