وَقَوْلُهُ: «لَا تَتَراءَى نَارَاهُمَا» يَعْنِي: لَا يُسَاكِنُ الْمُسْلِمُ الْكُفَّارَ فِي بِلادِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ أَوْقَدُوا نَارًا تَرَى كُلُّ طَائِفَةٍ نَارَ الأُخْرَى، فَجَعَلَ الرُّؤْيَةَ لِلنَّارِ، وَلا رُؤْيَةَ لَهَا، وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَدْنُوَا هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، كَمَا يُقَالُ: دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلانٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا يَسْتَوِي حُكْمَاهُمَا، يَقُولُ: كَيْفَ يُسَاكِنُهُمْ فِي بِلادِهْم وَحُكْمُ دِينِهِمَا مُخْتَلِفٌ؟ وَقِيلَ: أَرَادَ نَارَ الْحَرْبِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَة:64]،يَقُولُ: كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ وَنَارُ حَرْبِهِمَا مُخْتَلِفٌ، هَذَا يَدْعُو إِلَى الرَّحْمَنِ، وَيُحَارِبُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَدْعُو إِلَى الشَّيْطَانِ، وَيُحارِبُ عَلَيْهِ. وَفِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ: «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ»،قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: النَّارُ هَهُنَا: الرَّأْيُ، يَقُولُ: لَا تُشَاوِرُوهُمْ، وَيُقَالُ: مَعْنَى النَّارِ: السِّمَةُ، يُقَالُ: مَا نَارُ بَعِيركَ؟ أَيْ: مَا سِمَتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: نَارُهَا نِجَارُهَا، يُرِيدُ: أَنَّ مِيسَمِهَا يَدُلُّ عَلَى جَوْهَرِهَا وَكَرَمِهَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» يَقُولُ: لَا يَتَّسِمُ الْمُسْلِمُ بِسِمَةِ الْمُشْرِكَ، وَلا يَتَشَبَّهُ بِهِ فِي هَدْيِهِ، وَشَكْلِهِ، وَخُلُقِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم،قَالَ: «مَنْ نَزَعَ صغارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ، فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ، فَقَدْ وَلَّى الإِسْلامَ ظَهْرَهُ»،وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الآخِرَةِ. (1)
بَابُ الْمُسْلِمِ يُقِيمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَيْنَا
قال الجصاص:"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ رَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قَالَ:"يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَقَوْمُهُ كُفَّارًا فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَكِنْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ".قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الَّذِي يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَيْنَا; لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ فِي الْمُؤْمِنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا قُتِلَ وَلَهُ أَقَارِبُ كُفَّارٌ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّ كَوْنَ أَقْرِبَائِهِ كُفَّارًا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ دِيَتِهِ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَاتِ حَيْثُ لَا يَرِثُونَهُ.
وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ:"كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيُسْلِمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُصِيبُهُ
(1) - شرح السنة للبغوي (10/ 245)