دُمُوعُهُ بِلَا إِحْصَاءٍ، وَوَصَلَتْ إِلَى مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَصَى، ثُمَّ بُكَاؤُهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِتَذَكُّرِ وَفَاتِهِ، وَفُقْدَانِ حَيَاتِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِتَجَدُّدِ الْحُزْنِ عَلَيْهِ، أَوْ لِفَوَاتِ مَا فَاتَ فِي مُعْتَقَدِهِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَوْ كَانَ كُتِبَ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِي الْمَقَامِ وَالْأَنْسَبُ فِيمَا أَرَادَهُ مِنَ الْمَرَامِ. (قُلْتُ:؟ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ)؟ قَالَ مِيرَكُ: قَائِلُهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الرَّاوِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ قَائِلَهُ سُلَيْمَانُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَعُهُ)،أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. فَقَالَ: (ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا):بِالْجَزْمِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوءَةِ فَعَلَى هَذَا يَشْكُلُ جَزْمُ قَوْلِهِ: (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا).وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِنْ كُتِبَ لَكُمْ وَعَمِلْتُمْ بِهِ لَا تَضِلُّوا أَيْ: لَا تَصِيرُوا ضَالِّينَ، وَفِي نُسْخَةٍ أَنْ لَا تَضِلُّوا وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا، أَوْ مَخَافَةَ أَنْ لَا تَضِلُّوا (فَتَنَازَعُوا)،أَيْ: أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَأْيِهِمْ (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ):قِيلَ: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ. (فَقَالُوا)،أَيْ: بَعْضُهُمْ (مَا شَأْنُهُ)؟ أَيْ حَالُهُ - صلى الله عليه وسلم - (أَهَجَرَ)؟ بِفَتَحَاتٍ أَيِ: اخْتَلَفَ كَلَامُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَرَضِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: هَلْ تَغَيَّرَ كَلَامُهُ وَاخْتَلَطَ لِأَجْلِ مَا بِهِ مِنَ الْمَرَضِ، وَلَا يُجْعَلُ إِخْبَارًا فَيَكُونُ مِنَ الْفُحْشِ وَالْهَذَيَانِ، وَالْقَائِلُ عُمَرُ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ. قَالَ الْخَطَابِيُّ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ تَوَهَّمَ الْغَلَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ ظَنَّ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَجَعِ وَقُرْبِ الْوَفَاةِ، مَعَ مَا غَشِيَهُ مِنَ الْكَرْبِ خَافَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِمَّا يَقُولُهُ الْمَرِيضُ مِمَّا لَا عَزِيمَةَ لَهُ فِيهِ، فَيَجِدُ الْمُنَافِقُونَ بِذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى الْكَلَامِ فِي الدِّينِ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُهُ يُرَاجِعُونَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ أَنْ يَجْزِمَ فِيهَا بِتَحَتُّمٍ، كَمَا رَاجَعُوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْخِلَافِ وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَأَمَّا إِذَا أَمَرَ بِالشَّيْءِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ، فَلَا يُرَاجِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ كَانَ اللَّهُ - تَعَالَى - رَفَعَ دَرَجَتَهُ فَوْقَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لَمْ يُنَزِّهْهُ مِنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ وَالْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ
المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ٨٨٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ٨٨٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي