تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولا: إن نوحاً عليه السلام ما قصد برجاءه مخالفة أمر ربه عز وجل و إنما اجتهد فى تأويل قوله تعالى ((قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ )) فظن نبى الله نوح أن ابنه داخل فى أهله و نسى قوله تعالى ((إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ )) و هذا بدافع رقة قلبه و عاطفة الأبوة الفطرية قال الامام ابن كثير : ﴿هَذَا سُؤَال اِسْتِعْلَام وَكَشْف مِنْ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ حَال وَلَده الَّذِي غَرِقَ" قَالَ رَبّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِيّ " أَيْ وَقَدْ وَعَدْتنِي بِنَجَاةِ أَهْلِي وَوَعْدك الْحَقّ الَّذِي لَا يُخْلَف فَكَيْفَ غَرِقَ وَأَنْتَ أَحْكُم الْحَاكِمِينَ ؟ ﴾ لكن حين نبهه الله تعالى إلى حقيقة الأمر أناب إلى ربه قائلاً: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ )) فباركه الله تعالى الله و أيده و منحه السلام عز و جل((قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ))

-ثانيا: و أما من زعم أن قوله تعالى (( إنه ليس من أهلك)) يعنى أنه ليس ابنه حقيقة و إنما ابن زنى و العياذ بالله ، فهذا قول باطل و إن خُكى عن بعض السلف لأنه من الأخبار فلا تقام بها حجة إلا إن ورد عن رسول الله (ص)، و لم يرد مثل هذا على لسان الصادق المصدوق و قوله الحق عليه الصلاة و السلام، و قد أنكر أئمة أهل السنة هذا الرأى و فندوه لأن الله تعالى عصم أعراض أنبياءه أيضاً - و يؤكد ذلك الأيات البينات التى أنزلها تعالى فى حادثة الإفك- فلا يمكن أن تركتب زوجة نبى الفاحشة أبداً حتى و إن كفرت.

قال الإمام ابن كثير ( و قد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب فى تفسير هذا إلى أنه ليس بإبنه ) و قال أيضاً: ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف مَا زَنَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ قَالَ : وَقَوْله " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك " أَيْ الَّذِينَ وَعَدْتُك نَجَاتهمْ وَقَوْل اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مَحِيد عَنْهُ فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه أَغْيَر مِنْ أَنْ يُمَكِّن اِمْرَأَة نَبِيّ مِنْ الْفَاحِشَة وَلِهَذَا غَضِبَ اللَّه عَلَى الَّذِينَ رَمَوْا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة بِنْت الصِّدِّيق زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهَذَا وَأَشَاعُوهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْم وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم - إِلَى قَوْله - إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا , وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم )

و كان ابن عباس يقول : ( من قال أنه ليس ابن نوح فقد كذب بالقرأن ألم تقرأوا قوله تعالى "وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ " )

-و أما نسبة الخيانة إلى امرأتى نوح و لوط بقوله تعالى فى سورة التحريم ((فخانتاهما)) ، فالمراد به هنا الخيانة فى الإيمان لا فى العرض لأنهما كفرتا بالله تعالى و هذا كقوله تعالى (( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) و كقوله تعالى (( ولا تكن للخائنين خصيما))

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٣٦٩