و أيضاً هذه الأيات وردت فى سياق مديح الخليل عليه السلام فابتدأها الله من ختام قصة نوح فقال تعالى((وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ *إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ... ))
الشبهة الثانية :زعموا أن إبراهيم عليه السلام شك فى الإيمان لقوله تعالى((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:
الجواب على ذلك من وجهين:
الأول: أن الإيمان ثلاثة مراتب: (1) علم اليقين (2) عين اليقين (3) حق اليقين
و نضرب مثالاً على ذلك: فلو أمن شخص إيمان يقينى لا شك فيه أن داخل الحقيبة طعاماً فهذا علم اليقين، و لو فتح الحقيبة و نظر الطعام بعينيه فهذا عين اليقين، و لو أمسك بهذا الطعام و أكل منه فهذا حق اليقين، فإبراهيم عليه السلام ما شك فى ربه أبداً و إنما أراد الإنتقال من مستوى الإستدلال إلى مستوى العيان و الإرتقاء إلى درجة أعلى من درجات الإيمان ، و هذا حال المؤمنين دائماً فى سعيهم إلى الكمال ، فالفرق بين سؤال إبراهيم و سؤال غيره، كالفرق بين سؤال موسى رؤية ربه و سؤال قومه نفس الطلب، لأن سؤال موسى كان سؤال محبة و شوق إلى الله ، أما سؤال قومه فكان سؤال ريبة و مكابرة
و قد تكفل رسول الله (ص) ببيان هذا المعنى و ذلك حين قال قوم "شك إبراهيم و لم يشك نبينا" فقال رسول الله(ص)تواضعاً " نحن أحق بالشك من إبراهيم" و النبى عليه الصلاة و السلام لا يقع منه الشك أبداً و هو القائل " لَا أَشُكّ وَلَا أَسْأَل " فكان هذا من قبيل افتراض ما لا يمكن وقوعه ليكون أبلغ فى الدلالة على المعنى المنشود و هو إستحالة وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام
و قيل أن المراد :نحن أشد إشتياقاً إلى رؤية ذلك من إبراهيم، و قيل : معناه هذا الذى ترون أنه شك نحن أحق به لأنه طلب لمزيد البيان لا ريبة فى الرحمن الوجه الثانى: أن الشك مراد به الخواطر التى لا تثبت لا معنى التوقف بين أمرين ، لأن الأخير منفى بالنصوص القاطعة فى الكتاب و السنة و إجماع الأمة، أما الأول فهو من دلائل صريح الإيمان كما جاء فى الحديث أن بعض الصحابة قالوا للنبى عليه السلام: ((إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال : "وقد وجدتموه؟" قالوا : نعم. قال" ذاك صريح الإيمان".))
الشبهة الثالثة: طعنوا فى عصمة نبى الله إبراهيم لقول رسول الله(ص) : "لم يكذب إبراهيم النبي، عليه السلام، قط إلا ثلاث كذبات. ثنتين في ذات الله. قوله : إني سقيم. وقوله : بل فعله كبيرهم هذا. وواحدة في شأن سارة"
و قوله عليه السلام فى حديث الشفاعة: "فيأتون إبراهيم فيقولون : يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات ، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، "
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:
- كما هو واضح لكل ذى لب فإن هذه الشبهة لا تستحق عناء الرد عليها، و لكننى تعمدت أن أذكرها لأنها دليل عصمة إبراهيم عليه السلام، فهذه الكذبات الثلاثة سيعدها الخليل ذنوباً إرتكبها حين يُسئل الشفاعة يوم القيامة، و هذا الحصر ينفى عنه أى خطيئة أخرى ، زد على هذا أنها ليست ذنوباً فى حقيقة الأمر، فتالله أى إنسان هذا الذى لم يكذب فى حياته كلها إلا ثلاث كذبات، كلهن من قبيل التعريض و اثنتان منهم فى ذات الله ؟!
فالأولى قوله(إنى سقيم) و هو يحتمل معانى كثيرة منها: إني سقيم أي سأسقم واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرا , ويحتمل أنه أراد إني سقيم بما قدر علي من الموت أو سقيم الحجة على الخروج معكم...إلخ
والثانية قوله : ( بل فعله كبيرهم ) قال القرطبي هذا قاله تمهيدا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة وقطعا لقومه في قولهم إنها تضر وتنفع , وهذا الاستدلال يتجوز فيه الشرط المتصل , ولهذا أردف قوله : ( بل فعله كبيرهم ) بقوله : ( فاسألوهم إن كانوا ينطقون )، و قال ابن قتيبة معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا , فالحاصل أنه مشترط بقوله : ( إن كانوا ينطقون ) أو أنه أسند إليه ذلك لكونه السبب .
و الثالث قوله عن ساره أنها أخته و هو أيضاً تعريض صحيح لانه أخوها فى الدين كما قال فى الحديث: (فأتى سارة قال يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي...الحديث)
ADAM