وقد بدأت عملية مزارعة كبرى في المدينة أعقبتها حركة إحياء للأرض الزراعية المهملة.. وفقا للقاعدة الشرعية التي وضعها الرسول عليه الصلاة والسلام: "من أحيا أرضا مواتا فهي له".
وقد أقطع الرسول عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب عيونا بينبع اشتهرت فيما بعد بكثرة إنتاجها، وعمل فيها علي رضي الله عنه بنفسه.
كما أقطع الزبير بن العوام أرضا بالمدينة استثمرها في الزراعة في حياة الرسول.
وقد اشتهرت الكثير من الأودية التي انتشرت الزراعة بها في عصر الرسول، منها وادي العقيق الذي هو أهم أودية المدينة وفيه أموال أهل المدينة ومزارعهم، وكذلك من الأودية المهمة التي استخدمت للزراعة في المدينة وادي بطحان، وكانت به مزارع بني النضير وأموالهم، وكذلك وادي مهزوز كانت به أموال قريظة، ووادي قناة وهو ثالث أودية المدينة، ووادي رانونا.
وكذلك من الأودية التي استفيد من أرضها بالزراعة وادي القرى، وكذلك عرف في الطائف الكثير من الأودية التي استفيد منها بالزراعة أهمها وادي "وج" ويقع غرب الطائف وفيه الكثير من المزارع والبساتين وترفده بعض الأودية الأخرى، كذلك وادي "ليه" ويقع شرق الطائف وبالقرب منها.
ولم يكن المهاجرون والأنصار وحدهم الذين أقاموا النهضة الزراعية في المدينة المنورة، بل كان ضمن العاملين بالزراعة في المدينة وغيرها من مدن الحجاز شباب آخرون من الأجانب الذي اسلموا والتحقوا بالمدينة، سوريين أو مصريين أو رومانيين أو عراقيين.
ومما يدل على كثرة الموالي أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما حاصر الطائف وأعلن عتق من ينزل إليه من الموالي نزل إليه ثلاثة وعشرون عبدا من الطائف.. وكانت هناك مجموعة كبيرة من الموالي الأحباش يعملون في المدينة في حقول الأنصار، ويدل على وجودهم الملموس انهم حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الهجرة خرج هؤلاء الأحباش واجتمعوا ولعبوا بحرابهم فرحا بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يكون للمدينة كيانها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المستقل، اعتمادا عل التشابك القائم بين مجموعة النظم في إقامة كيان الدولة وتحقيق هيبتها الداخلية والخارجية.
وعندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وأقام سبعة أشهر في بيت أيوب الأنصاري، قام الأنصار بالتنازل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل فضل كان في خططهم.. حتى يتمكن من تنظيم المدينة تنظيما يسمح بكفالة إخوانهم المهاجرين، بل إنهم _ رضي الله عنهم _ قالوا للرسول: يا نبي الله إن شئت فخذ منازلنا.. فشكر الرسول لهم قولهم.
مجتمع السواسية
من هذه المسيرة العملية يستخلص الاقتصاديون المعاصرون بعض القواعد الاقتصادية النظرية التي يستند إليها النظام الاقتصادي الإسلامي الذي أقامه الرسول في عقول المسلمين وفي حركة الحياة، مشيرين إلى أن هذا الأساس النظري الاقتصادي الإسلامي يتضمن أكثر من نظرية علمية منبثقة من آيات القرآن الكريم، والحديث الشريف.
ويرى هؤلاء الاقتصاديون أن المبادئ الأساسية من البناء الاقتصادي العلمي الذي أقامه الرسول يتلخص في المبادئ التالية:
< أولا: نظرية دورة الإنفاق الخيرة، وهي تطبق في أوقات الرخاء والكساد معا (فلا جمود ولا توقف ولا اكتناز ولا احتكار ولا ربا).
< ثانيا: الحد من أرباح الوساطة، وتحريم الربا والاستغلال بصفة عامة.
< ثالثا: الملكية الخاصة وظيفة اجتماعية وليست حقا مقدسا، ولا يجوز أن تنفصل عن العمل لتصبح أداة لاستغلال عمل الغير.
< رابعا: إقامة مجتمع السواسية والمقاسمة المقنعة والطوعية في الأموال والخبرات، وهكذا أقام الرسول مجتمعا مؤمنا ملتزما له فكره الاقتصادي المربوط بقواعد الإيمان، والقائم على الاقتناع الداخلي الذي يصل حد الكفاية والزهد والاستعلاء، ويقدم أروع صور التكافل الاجتماعي القائم على الحب والإخاء والإيثار.