تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما هاجر معظم المسلمين متجرعين آلام الهجرة لأوطانهم ومساكنهم وبعض ذويهم اتخذ المشركون القرشيون قرارهم بمصادرة أموال المسلمين وأملاكهم، وتقسيمها فيما بينهم وكأن أصحابها هلكوا.

وكان من نتائج هذا القرار الجائز أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة منتصرا بعد الهجرة بثماني سنوات سأله أسامة بن زيد قائلا: يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل منزلا"، (وعقيل هذا هو أكبر أولاد عم الرسول _ أبي طالب _ ومع ذلك فقد عادى الرسول صلى الله عليه وسلم ووضع يده على أملاك الرسول وكأنه هو وارثه).. وعلى هذا تم تقسيم أملاك المهاجرين من مكة.

قيادة حكيمة

إن المرحلة المكية كانت بعيدة عن كل ما يتصل بوجود كيان اقتصادي ملموس للمسلمين المهاجرين، وقد هاجروا إلى المدينة وهم لا يملكون شيئا من شأنه أن يقيم حياتهم بطريقة استقلالية، ولولا قيادة الرسول الحكيمة، وإلهام الله له لما أمكن قيام دولة المدينة التي لا يملك جزءا كبيرا منها المقومات المادية الأساسية للحياة، ولكن قاعدة المؤاخاة التي بنى عليها الرسول العلاقة بين المهاجرين الوافدين وبين الأنصار أهل المدينة الأصليين هي التي نجحت في استيعاب هذا الموقف والانتصار عليه بدرجة مذهلة، فقد كان عدد أفراد المهاجرين كبيرا.

وكانت يثرب مدينة صغيرة يعمل أهلها في الزراعة، وكانت سوقها التجارية في يد اليهود، ولم يأت المهاجرون معهم برأس مال يصلح لمنافسة اليهود.. لكن روح المؤاخاة صنعت أواصر أقوى من أخوة النسب وأبعد منها مدى، لدرجة أنهم بهذه المؤاخاة توارثوا لفترة من الزمن، فقد كانت هذه الاخوة قوية لدرجة أن الأنصار قسموا أموالهم قسمين، وأعطوا قسما للمهاجرين، ولعل نموذج التعامل بين عبد الرحمن بن عوف المهاجري، وسعد بين الربيع الأنصاري يدلنا على طبيعة العلاقة الاقتصادية والاجتماعية بين المهاجرين والأنصار في واحدة من أرقى صورها، ذلك أن المهاجرين من جانبهم لم يقبلوا أن يكونوا عالة على إخوانهم الأنصار.

لقد قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: إني أكثر الأنصار مالا فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبها إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها.

قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن.

وهذا النموذج الذي قدمه عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع يدل على علاقة اقتصادية واجتماعية بدأت تتشكل في كل مجتمع المدينة، ومجتمع المسلمين الأول.

فالحقيقة أن الإخاء الإسلامي الذي قدم الأنصار والمهاجرون أروع نماذجه كان تطبيقا لتوجيهات القرآن، وكان كذلك تطبيقا لتوجيهات الرسول الذي يقول: "ما آمن بي رجل بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم..".

وهذا الإخاء _ في هذا المستوى الأعلى الذي قدمه مجتمع المدينة _ ظل يعمل عمله في الحضارة الإسلامية، بتأثير التوجيه النبوي، الذي جعله فريدا في بابه.

إحياء الأرض الزراعية

إن المهاجرين عندما وفدوا إلى المدينة استقبلهم إخوانهم الأنصار ـ انطلاقا من قاعدة المؤاخاة ـ بحب وإيثار لم يعرف تاريخ البشرية مثلهما، لدرجة أن الأنصار استحقوا أن يقول الله فيهم في كتابه العزيز: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

وكان مما عرضوا عليهم أن يقسموا بينهم أموالهم وأرضهم ودورهم.. لكن المهاجرين شكروا لهم كرمهم، وحملوا في شتى مناشط الحياة مع إخوانهم الأنصار.. وكان الأنصار أصحاب مزارع فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبين إخواننا النخل، قال: لا.. فقالوا تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، فقالوا: سمعنا وأطعنا.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥٣