دراسة حديثة عن الاقتصاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
بقلم: د. عبد الحليم عويس
عرض وتلخيص: أحمد مصطفى عبد الله
في دراسة مميزة في مجالها حول "الاقتصاد في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم" أكد الدكتور عبد الحليم عويس أستاذ الحضارة الإسلامية بالجامعات المصرية والعربية أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أقام للمدينة المنورة كيانا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا مستقلا لتحقيق هيبتها داخليا وخارجيا.
وشدد الدكتور عويس ـ في دراسته التي تنفرد "الرابطة" بنشرها ـ على أن خبرة الرسول صلى الله عليه وسلم التجارية المستمرة في مكة قد أعانته كثيرا على تنظيم الشئون الاقتصادية والتجارية، بل إنه أظهر عبقرية في معالجة بعض الأزمات الاقتصادية، مشيرا إلى أن إنشاءه الأسواق خاصة في المدينة في مواقع متميزة من الأدلة الساطعة على ذلك.
وقد تناولت الدراسة مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الاقتصادية في كل من مكة والمدينة، مشيرة إلى أن علاقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرعي والتجارة بدأت مبكرة تأثرا بالبيئة التي نشأ فيها. كما أن السمعة التجارية الطيبة للرسول ولقبه "الأمين" جعلا السيدة خديجة تختاره للتجارة ثم الزواج.
وأوضحت الدراسة أن الإخاء الإسلامي الذي قدم الأنصار والمهاجرون أروع نماذجه كان تطبيقا لتوجيهات القرآن والسنة.
كما أوضحت الدراسة أن الرسول صلى الله عليه وسلم نجح في القضاء على نزعة احتقار بعض المهن والحرف والظواهر التجارية المدمرة للمجتمع.
وأبرزت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الديون في صكوك حتى لا تصبح الحركة التجارية عرضة لتقلبات النفوس والأهواء.
وفي السطور التالية نتعرف على أهم ما جاء في الدراسة.
من المعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم نشأ في مكة، المدينة التجارية الكبرى في جزيرة العرب، إلى جانب أنها المدينة المقدسة.. وكانت لقريش رحلتان ثابتتان.. إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ، والثانية بالصيف إلى الشام.
ولما جاء هاشم بن عبد مناف سيد قريش أمر بنوع من التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين قريش كلها غنيها وفقيرها حتى اقترب غنيهم من فقيرهم، وظهر الإسلام وهم على ذلك، وبالتالي فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش.
وفي هذه البيئة ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أمرا طبيعيا أن ينزع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى "الرحلة" بعد أن كان يرعى الغنم في صغره، ومن الوقائع الثابتة أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج مع قوافل قريش عندما كان عمره يتراوح بين التاسعة والثانية عشر، وذلك حين تعلق بعمه أبي طالب حين أزمع السفر إلى الشام للتجارة، فأخذه معه في الرحلة التي التقى فيها أبو طالب بالراهب بحيرا الذي تنبأ برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وخشى عليه من اليهود لو عرفوه، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.. وهكذا نرى أن صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالرعي تارة وبالتجارة تارة أخرى بدأت معه عليه السلام بداية مبكرة تأثرا بالبيئة التي يعيش فيها.
لكن الحدث التجاري الفاصل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقع حين لجأت خديجة إلى محمد بن عبد الله تستأجره ليضارب في مالها بعد أن بلغها الكثير من صدق حديثه وأيضا لأمانته وكرم أخلاقه، فلهذا عرضت عليه _كما يقول ابن إسحاق _ أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يسمى ميسرة، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وخرج في مالها ومع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، فاشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة الذي حكى عن أمانته وتوفيق الله له ما شاء أن يحكي، ورأت خديجة أيضا أن أرباحها ضوعفت فرغبت فيه زوجا، وكانت أسن منه، وكانت أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على ذلك منها لو قدروا عليه، وكانت له نعم الزوج.