الاقتصاد الإسلامي
سعود بن إبراهيم الشريم
مكة المكرمة
26/4/1426
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فإنَّ الوصية المبذولةَ لي ولكم ـ عبادَ الله ـ هي تقوَى الله سبحانَه ومراقبتُه في السّرِّ والعلن، فاتقوا الله عباد الله، وأتبِعوا السيئةَ الحسنة تمحُها، وخالقوا الناس بخلق حسن، إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ [يوسف:90].
أيها الناس، المالُ في هذه الدّنيا شريانُ الحياةِ التنمويّة المادّيّ، كما أنَّ الشرعَ والدين شريانُ الحياة الروحيّ والمعنويّ. وللمال في نفسِ الإنسان حظوةٌ وشرَه وتطَلُّب حثيثٌ، إذا لم يُحكَم بميزان الشّرع والقناعةِ والرّضا فإنه سيصِل بصاحبه إلى درجةِ السّعار المسمومِ والجشَع المقيت. ولا جرَم عباد الله، فإنّ حبَّ ابنِ آدمَ للمال ليسرِي في جسدِه سَرَيان الدّم في العروق، كيف لا والله جلّ وعلا يقول عن ابن آدم: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] أي: المال، ويقول سبحانه عن جماعةِ بني آدم: وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20].
ومِن هذا المنطلَق تنافس الناسُ سَعيًا في تحصيل هذا المال، وَكَدْحًا تلوَ كَدْحٍ في لَمْلَمَةِ المستطاع من هذا المال الفاتن، غيرَ أنَّ صحةَ هذا الكدح أو فسادَه وحصول الأجر فيه أو ذهابَه لمرهونٌ بحُسن القصدِ والموْرِد فيه أو سوئِه، وفي كلا الأمرَين يقول الله جلّ وعلا: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]؛ لأنَّ المال سلاح ذو حدين، فهو لأهلِ الإسلام والإيمان وحُسنِ القصد به نِعمةٌ يحمدون الله تعالى عليها صباحَ مساء، وهذه هي سِيمَا الأمّةِ الخيرية: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274]. وهو لأهلِ الكفر حَسرة وبلاء مهما تعدَّدت مصادره وكثر توافُره؛ لبعدِهم عن وضعهِ في موضعه، وما ذاك إلاّ ليكونَ ندامة ووبالاً عليهم كما قال جلّ وعلا: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران:178]، فإنَّ معظمَ أوجه الإيرادات والصادِرات لدى من كفَر بالله وبرسولِه منصبّة فيما حرَّم الله ورسوله مِنْ أخذِهِم الربا وأكلهم أموالَ الناس بالباطل والصدّ عن سبيل الله، وتلك ـ لعمرُو الله ـ هي الحسرةُ والندامة، ولات ساعةَ مَنْدَم، وليس بعد الكفرِ ذَنب، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].
وإنَّ مما يدلّ على أهمّيّة المال في حياةِ الفردِ والجماعة وُرودَه في القرآن متصرِّفًا مَدحًا وذمًّا في أكثرَ من ثمانين موضعًا.
أيّها المسلمون، إنّ الشريعة الإسلاميةَ الغراء جاءَت حاضّة على عمارة الأرض وتنميِتها اقتصاديًّا بما يكون عونًا على أداءِ حقّ الله فيها، فلقد قال رسول الله : ((إذا قامَت الساعة وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرِسها فليغرسها، فله بذلك أَجر)) رواه البخاري(1)[1].
(1) - أخرجه أحمد وابن مَنيع عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.