تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبينما نجح الرسول الكريم عليه السلام _ بالقول والفعل _ في القضاء على نزعة احتقار الزراعات والمهن والحرف، واحتقار القائمين بها.. كذلك نجح الرسول بالقول والفعل ومن خلال النظم المقررة في دولة المدينة التي كان الرسول قائدها وقاضيها ومعلمها _ في القضاء على الظواهر التجارية المدمرة للمجتمع، التي يلجأ إليها اليهود لامتصاص ثروة المجتمع الإسلامي دون عمل أو كدح أو مغامرة وحتى العباس عم النبي كان (صاحب ربا) في الجاهلية، فوضعه الرسول، وقال: "ألا إن كل ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع هو ربا عمي العباس.. (كما ورد في خطبة الوداع).

كما أن الرسول حث التجار على التسامح في قوله: "رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى".. وهذا يعني _ ضمنا _ التجاوز عن المعسرين، والإرجاء في الدين إلى ميسرة وإبطال ما كان معروفا عند العرب من أن الدائن يأخذ من المدين عند تعذر قضائه لدينه عبدا، أو ولدا من أولاده، حتى يقضي ما عليه.

وحتى لا تصبح الحركة التجارية عرضة لتقلبات النفوس والأهواء أمر الرسول بكتابة الديون في صكوك.. وكان الرسول يأمر بأن يكتب ما يبيعه ويشتريه.

وكذلك حث الرسول على الصدق في التجارة، وبين أن البركة في هذا الصدق، فقال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وان كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"، وقد نهى الرسول عن الغش، فقال: "من غشنا فليس منا"، كما نهى الرسول عن الحلف لترويج السلعة، فقال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وذكر منهم المنفق سلعته بالحلف الكاذب".

وقد منع الإسلام الاتجار بالأشياء المحرمة كالخنزير أو الخمر فعن أبي سعيد الخدري قال: كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت سورة المائدة سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عنه وقلت إنه ليتيم فقال: "أهريقوه"، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار فقال: "لا يحتكر إلا خاطئ".

وقد نهى الإسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مخافة أن يقع ظلم على المشتري.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان والشراء منهم حتى يصلوا السوق، فقد ورد عن نافع عن عبد الله بن عمر _ رضي الله عنهما _ أنه قال: "كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى يبلغ به السوق".

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراقب الأسواق ويوجه إلى التخلص من أية سلبيات تظهر فيها، فالرسول _ عمليا _ كان أول محتسب وإمام المحتسبين في تاريخ الإسلام.

تعاون اقتصادي وإنساني

في الفترة المكية لم تكن هناك فرصة أمام المسلمين _ وهم أفراد مبعثرون مضطهدون _ للتفكير في إقامة كيان اقتصادي، وكان حسبهم في تلك الفترة أن يتعاونوا على توفير الحد الأدنى من التكافل الاجتماعي القائم على التعاون الاقتصادي والإنساني، وفي هذه المرحلة قام رجل مثل أبي بكر الصديق بشراء بعض المسلمين من العبيد وتحريرهم، ثم رعايتهم بعد ذلك.

وليس لدينا وثائق تدل على ممارسة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، ولا المسلمين المضطهدين في مكة لأية نشاطات تسمح لهم بأن يشكلوا كيانا اقتصاديا متميزا، بل إننا لنعرف أن أثرياء المسلمين وتجارهم مثل خديجة _ أم المؤمنين _ ومثل أبي بكر الصديق _ رضي الله عنهما _ قد تعرضوا لضغوط اقتصادية كثيرة، ولعل الحصار الذي فرض عليهم في شعب أبي طالب _ والذي كان من بنوده ألا يشتري منهم ولا يباع لهم _ من أقوى الأدلة على وجود روح عامة كانت تفرض عليهم حصارا اقتصاديا طيلة العصر المكي بدرجات متفاوتة.

ولم يقف ظلم قريش عند هذا الحد الذي يتجاهل أبسط حقوق الإنسان، بل إنها أقدمت على خطوة لم تمارسها إلا أبشع النظم الاشتراكية والشيوعية، وهذه الخطوة تقوم على مصادرة أملاك المسلمين وأموالهم التي يعجزون عن الهروب بها فرارا بدينهم، فمن المعروف أن المسلمين كانوا يتركون مكة وطنهم أفرادا مختفين في جنح الظلام، وفي هذه الحالات يصعب حمل أشياء من الأملاك الثقيلة، مكتفين بالحاجات الأساسية التي لابد منها في الطريق.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥٢