تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك حديث أخر يؤكد أن الغنى في نفسه خير، وأنه لا يأتي بالشر، ولكن الشر مصدره الشر المستكن في النفوس الوضيعة المادية حتى وان كانت تملك أعراضا كثيرة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض"، قيل: وما بركات الأرض؟، قال: "زهرة الدنيا"، فقال رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه ينزل عليه، ثم جعل يسمح على جبينه، فقال: "أين السائل"؟ قال: أنا. قال أبو سعيد: لقد حمدنا حين طلع ذلك، قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير".

أسباب الغنى الشامل

من أجمع الأحاديث وأشهرها على ألسنة الناس في باب القناعة والصبر الذي لا يمنع من الأخذ بالأسباب قوله عليه السلام: "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"، وهذا الحديث بالإضافة إلى أنه يقنع النفس بالقليل، هو أيضا يحذر من أن يسأل الإنسان الناس وعنده حظه من الأمن والمعافاة والقوت.

وخشية أن يفهم هذا الحديث وأمثاله على غير حقيقته يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل جمر جهنم فليستقل منه أو ليستكثر"، ويحدد النبي صلى الله عليه وسلم القدر الذي لا يحل للمرء أن يسأل الناس بعده شيئا : "من سأل الناس وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم"، قالوا وما يغنيه؟، قال: "قدر ما يغذيه ويعشيه".

والنبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على أسباب الغنى الشامل فيقول: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

وفي هذا السياق أيضا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، ويستغنى به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول"، والنبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الإنفاق في سبيل الحاجة، مصداقا لقول الله تعالى: "وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ"، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه الفقير (أبا ذر) الذي كان يتزعم حركة إصلاحية كبيرة حتى اشتهر بمحامي الفقراء قائلا له: "أبا ذر إذا طبخت فأكثر المرق، وتعاهد جيرانك".

وكذلك يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتصاد، والإبقاء على ما يغني الأهل عن تكفف الناس.. يقول صلى الله عليه وسلم: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".

ويمتدح النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه عرفوا بمظهر من مظاهر الاقتصاد والتعاون والتنمية، وهم الاشعريون، حيث يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزوة، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم".

تكافل اجتماعي

ومن أروع الأحاديث التي تتصل بموضوع الاقتصاد والتكافل الاجتماعي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأى أصحابه أنه لا حق لأحد منهم في فضل".

ولما كانت التجارة هي أوسع أبواب الرزق، وكان التجار أقرب من الزراع والصناع في مجال الثراء الفاحش، وما يؤدي إليه من ترف وجشع فلهذا خصص الرسول التجارة والتجار بعدد من التوجيهات النبوية الكريمة.

فانطلاقا من الوحي الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجه نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم الأوضاع الجاهلية الفاسدة في عالم الاقتصاد.. سواء كانت هذه الأوضاع عادات وتقاليد فاسدة، أم كانت نظما ترسخ وأصبحت قوانين سائدة.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥١