ولا بيع الرطب بما كان يابساً لحديث ابن عمر المتقدم في النهي عن أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً ، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً ، وكذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة المتقدمات ، وفي الموطأ حديث سعد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا : نعم فنهى عن ذلك قلت : وعليه الشافعي ، وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شئ من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر يابس مثل : بيع الرطب بالتمر ، وبيع العنب بالزبيب ، وبيع اللحم الرطب بالقديد ، وهذا قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة . وجوزه أبو حنيفة وحده ورده بالمتشابه من قوله تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا والمتشابه من قياس في غاية الفساد وهو قولهم : الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين ، وإما أن يكون جنساً واحداً ، وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر . قال ابن القيم : وإذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادماً للسنة أعظم مصادمة ، ومع أنه فاسد في نفسه ، بل هما جنس واحد ، أحدهما أزيد من الآخر قطعاً بنية ، فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال ، إذ هو ظن وحسبان ، فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم يأت به سنة ، وحتى لو لم يكن ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلاً قائماً بنفسه يجب التسليم والإنقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة انتهى .
إلا لأهل العرايا لحديث زيد بن ثابت عند البخاري وغيره أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلاً وفي لفظ في الصحيحين رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً وأخرج أحمد والشافعي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة وفي الباب أحاديث . والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للفقراء الذين لا نخل لهم أن يشتروا من أهل النخل رطباً يأكلونه في شجره بخرصه تمراً . والعرايا جمع عرية وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة . وقد ذهب إلى ذلك الجمهور . ومن خالف فالأحاديث ترد عليه . قلت : العرية فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا قصده ، وهي عقد مقصود ، أو بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت ، وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض والعنب في الشجر بزبيب فيما دون خمسة أوسق . وقال محمد : وبهذا نأخذ ، ولفظ البخاري في باب تفسير العرايا قال مالك : العرية أن يعرى الرجل الرجل النخلة ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أن يشتريها منه بتمر . وقال ابن إدريس : العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يداً بيد ، ولا تكون بالجزاف . ومما يقويه قول ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة . وقال ابن إسحق : في حديثه عن نافع عن ابن عمر كانت العرايا أن يعرى الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين . وقال يزيد : عن سفيان بن حسين العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها بما شاؤا من التمر انتهى
أقول : العرايا أصلها أن العرب كانت تطوع على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة ، وهي عطية اللبن دون الرقبة . قال الجوهري في الصحاح : العرية هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً بأن يجعل له ثمرها عاماً من عراة إذا قصده انتهى . فرخص صلى الله عليه وسلم لمن لا نخل لهم أن يشتري الرطب على النخل بخرصها تمراً كما وقع في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت ، وفي لفظ في الصحيحين من حديثه رخص في العرايا يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً وفي لفظ لهما من حديثه ولم يرخص في غير ذلك فهذا جائز ، والذي أخبرنا بتحريم الربا ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع ذلك فقد تعرض لرد الخاص بالعام ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأي ، وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة كما روي عن أبي حنيفة رحمه الله ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر عند الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك .